ملامح صبح

(أسوار الأحمد .. والوجود المخاتل !)

وكأنني كنت أنتظر هذه اللحظة التي لم تواتني منذ زمن بعيد , كيف ؟ السير في طريقين مختلفين في وقت واحد , والعيش بلغتين في آن معاً . النص عند الاحمد هو ما يوفر لي ذلك , فهو الزمان , وهو المكان أيضاً , الكامنان فيما وراء اللغة , الظاهرة المباشرة , والتي غالباً ما تنطوي على ما يشير للحواجز , دون أن يأخذ .

بيدك , للسير والتصرف بنفس الإسلوب والطريقة التي يمليها عليك النص ,ولهذا فإن أيسر الطرق للولوج لعوالم الاحمد الشعرية هو استحضار عنوان ديوانه : الأسوار , وكذا النص الموسوم بهذا الإسم , فأنت لا تستطيع مقاربة نصوصة , بتأن أو على عجل , إلا وتشعر بأنك قد دخلت في صراع محموم , ينازعك الإمساك بالنص وتقصي معناه (أنت بين ظاهر يبهرك ويضيق الخناق عليك , وليس مقصوداً لذاته , وبين باطن يشدك إليه شداً ,

ويعدك بمزيد من الدهشة , وبمكان ( ما) يمكنك أن تحركه كيفما تشاء , فأين تتجه ؟!) أما الذهاب بصحبة هذه الثيمة (الأسوار) والتي تستبطن وتطفو في معظم نصوصة , فإنك ستشعر معها , وباقتناع مذهل , بتجل , وبأن هذا النص أو ذاك , قد أذن لك أن تراه على حقيقته , وأنه على استعداد تام بأن ينفجر في ذهنك , وبكامل ألوانه , أصواته , روائحه , عطوره .. وفي أقاليم تشكلاته التي لا تحد . مطلوب منك يقظة تامة وحذر شديد , واستعداد , وتهيء , فالنص هنا يحيا وجوداً مخاتلاً ,

وما القواف والإيقاعات , ما الشكل الخارجي للنص , سوى أطر سابحة , مموهة , في فضاء لا متناه , وفي حركية ديناميكية دائبة لا تتوقف أبداً . إنها نصوص واقع مغاير , وتحتاج بالتالي لقراءة مغايرة , فهي قادرة على التأبي والتخفي , مثلما هي قادرة على الإفصاح عن نفسها والوقوف تحت الشمس . إنه الإرتحال الدائم في غابات لغة تتنامى وتتسع حتى يمكن القول بأنها أمسكت بأطراف كل شيء , ثم تعود وتنكمش وتتناهى في الصغر , مفضلة الإنزواء والدخول في أقرب ملاذ , وإغلاق الأبواب والنوافذ , وترك المهمة لك , كقاريء , لتبحث عنها , لتستفزها , فتكون جديراً بمقاربتها .

ثمة قدرة فائقة على البقاء تحت الماء , دون تنفس , وكمون طويل خلف الأسوار , ومن ثم الإنتفاض والصعود بوعي القاريء , والقفز به من وراء الأسوار , وإن تعذر ذلك فالقفز به وبالأسوار نفسها , وتحريكها , وازاحتها , والتلاعب فيها , عبر الماحات خاطفة ومركزة تجعل المتلقي في انتباه ويقظة دائمتين , وتركيز لايكاد ينفك , فالتساؤلات تنسكب بغزارة , والقاموس قد نثر مدخوره , وبمزيج من الأمثلة والتشبيهات , وتقليب لزوايا الرؤية , وتحريض وتحد , للدخول معه في لعبة : صراع .. وامتلاك .. وسيادة . هو من سينتصر فيها في الأخير , بعد أن يحملك مسئولية كل فعل وكل قرار تتخذه , وهنا تأتي الرسالة ألأهم , وهي جعلك شريكاً مهماً في صناعة النص , مسهماً , إسهاماً فعلياً , في فهمه وفهم نفسك والآخرين من خلاله :

الأسوار

مثل احتضار الأسئلة .. مثل الاصرار
مثل القلق قبل افتراش السكينة
مثل انبعاث الرعب من جذوة النار
مثل الأمل لامات فوق السفينة

مثل التردد بالخطى عند الأسفار
والنزف داخل ذكريات دفينة
مثل الصراخ الميت في بعض الاشجار
مثل الفرح لامن تعثر بحينه

مثل الأمل لامات في روس الاخيار
مثل التناقض في ليالي المدينة
مثل افتعال الهرج عن شي ما صار
والضحكة الحلوة بشفة حزينة

مثل اقتحام الصعب مثل الهوا الحار
مثل ابتعاد الطفل عن والدينه
مثل الشرود المر في بعض الافكار
مثل التنكر للأيادي الأمينة

مثل ارتحال العمر عن بعض الأطوار
مثل الترفع عن دروب الضغينة
مثل الأمل لاضاع بيدين الأسرار
مثل الذكا لامن تجاوز سنينه

هذا أنا والا انت لك حق تختار
درب الشقا ما بيننا قاسمينه
نهرب من الاسوار ونحب الاسوار
النفس حساسة والاوضاع طينة

وحين نتساءل , ما الذي تمنحنا إياه مثل هذه النصوص , على وجه التحديد , عدا المتعة , إنها تعيد صياغة أذواقنا , وترتب ردود أفعالنا , تجاه ما تزخر به من تجارب ومواقف , إنها تعيد فتح منافذ الحس لدينا , توجه مداركنا لرؤية الصورة الحقيقية , الصورة التي تنتظرنا أن نخطو إليها نحن , لنجد بأن كل شيء قد صار مفهوماً لدينا, وليس ذلك بتقديم الإجابات الناجزة التي ننتظرها عادة , وإنما بحشد المزيد من الأسئلة , حتى لو أدى ذلك , لاحتضار هذه الأسئلة وموتها , فبموتها تسفر الحقائق وتنجلي الغيوم (مثل احتضار الأسئلة .. مثل الاصرار) الإصرار على ماذا ؟ عدم الإكتراث بالإجابات يجعلها تأتي إليك طائعة , هي سوف توجد حتماً , ولكن كيف , أي شكل ستتخذ ؟ لا أدري , وربما الشاعر نفسه لا يدري ,

هي موجودة في مكان ما , وبصيغة ما , وكل ما عليك فعله هو أن تجدها , فالنص يقدم لك الوعاء , وأنت من سيملؤه , الشاعر لم يجلس ويخطط لكي يأتي بالإجابة التي تحوز على رضاك وتتفق مع قناعاتك , هو هزك وأثارك وأثراك… وهذا يكفي !محاولة اكتشاف ما يعنيه أن تكتب نفسك , بحد ذاته , مثير للمخيلة , فأنت تخلق ذلك العالم , تحيا فيه , وتتحكم به . التفكير في أنك ستحصل على صورة مطابقة لك , سيقودك , ولا شك , للشغف الذي تتطلبه الكتابة الصادقة , جرد من نفسك شخصية ما , حاورها , أحببها , أكرهها .. حتى ! الأمر يسير بهذه الطريقة , أنت ستكتب عملاً قسيماً لك , كأحد أكثر الوجوه الإبداعية جمالاً واجدرها بالبهجة والإحتفاء .. وإن أردت فالصدق أيضاً

(هذا أنا والا انت لك حق تختار/
درب الشقا ما بيننا قاسمينه)

لكن ماذا بمقدورك أن تفعل , لتفادي الاصطدام بأحد هذه الأسوار , التي قد تعترض طريقك (نهرب من الأسوار .. ونحب الأسوار) هذه هي المعادلة بكل بساطة , الهرب غريزياً , ومن ثم المحبة , وينتهي كل شيء . أما النتيجة التي تترتب على ذلك , فهي تحويل المعوقات , التي هي مصادر قلق لايطاق , لإمكانات , والتحديات , لما يشبه البساط الذي ينقلك خارج ذاتك , خارج زمانك ومكانك , خارج لغتك , لتجد بانك بدأت تركض طليقاً … (فتحدث) القصيدة !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.