لا نحتفل برحيل مستعمر. لكل وطن قصة يرويها في يومه الوطني. هناك من يحتفل بيوم الاستقلال، وهناك من يحتفل بيوم رحيل المستعمر، وهناك من يستعيد ذكرى ثورة، أو معركة غيّرت تاريخ بلاده.
أما نحن في السعودية، فقصة اليوم الوطني مختلفة.
نحن لا نحتفل برحيل مستعمر، ولا بعودة وطن كان تحت احتلال. نحن نحتفل بيوم توحّد فيه الوطن، واجتمعت فيه مناطق وأرض وقلوب تحت راية واحدة، وأصبح اسم المملكة العربية السعودية عنواناً لوطن واحد.
وهذه ليست مجرد مناسبة مدونة في التقويم، بل قصة وطن بدأت من فكرة كبيرة: أن يجتمع أبناء هذه الأرض تحت راية واحدة، وأن تكون لهم دولة واحدة ومستقبل واحد.
في الثالث والعشرين من سبتمبر، نتذكر تلك اللحظة، التي أعلن فيها الملك عبدالعزيز-رحمه الله- توحيد البلاد، لكن الأهم أن نتذكر ما جاء بعدها.
فالتوحيد كان البداية، وبعده بدأت رحلة طويلة من العمل والبناء. لم تكن السعودية التي نعرفها اليوم موجودة بكل ما فيها من مدن وطرق وجامعات ومستشفيات ومشروعات ومؤسسات. كانت هناك بدايات بسيطة، وظروف مختلفة، وأجيال حملت مسؤولية بناء وطنها خطوة بعد خطوة.
كان الآباء والأجداد يعملون بما توفر لهم، ويبنون بما يستطيعون، ويحلمون لأبنائهم بحياة أفضل. ومع مرور السنوات، كبرت المدن، وانتشر التعليم، وتطورت الخدمات، وتحسنت وسائل الحياة، وبدأت المملكة تأخذ مكانها بين دول العالم.. ثم جاءت أجيال جديدة، فواصلت الطريق وأضافت إلى ما بناه السابقون.
واليوم، عندما ننظر حولنا، نرى السعودية في صورة مختلفة. نرى مشاريع جديدة، واقتصاداً يتوسع، ومدناً تتغير، وفرصاً أمام الشباب، وحضوراً في الصناعة والسياحة والثقافة والرياضة والتقنية والطاقة والاستثمار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في كل يوم وطني ليس فقط: ماذا حققت السعودية لنا؟
بل أيضاً: ماذا قدمنا نحن للسعودية؟
فالوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها، ولا تختصر الوطنية في رفع العلم، أو ارتداء الأخضر، أو كتابة عبارة جميلة في وسائل التواصل الاجتماعي. كل هذه مظاهر جميلة للفرح، لكنها لا تكفي وحدها للتعبير عن حب الوطن.
الوطنية الحقيقية تظهر في حياتنا اليومية، في طالب يحرص على دراسته؛ لأنه يعرف أن علمه جزء من مستقبل بلاده، وفي موظف يؤدي عمله بأمانة وإتقان، وفي طبيب يخلص لمرضاه، ومعلم يزرع في طلابه المعرفة والقيم، وفي صاحب عمل يفتح باباً للرزق أمام الآخرين، وفي شاب يستثمر وقته وقدراته في شيء ينفعه وينفع وطنه.
وتظهر أيضاً في تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تقول الكثير عن علاقتنا بوطننا؛ في احترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة، والالتزام في الطريق، واحترام الآخرين، والمحافظة على البيئة، والحرص على أن تكون صورتنا عن بلدنا انعكاساً لما نؤمن به.
كل واحد منا يستطيع أن يضيف شيئاً، مهما بدا صغيراً. ومع ملايين الأفعال الصغيرة، يتشكل وطن كبير.
لهذا، فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه للسعودية في يومها الوطني ليس فقط أن نقول: نحبك يا وطن، بل أن نجعل هذا الحب واضحاً في أعمالنا، وفي أخلاقنا، وفي مسؤوليتنا، وفي الطريقة التي نعيش بها كل يوم.هذه هي الطريقة التي تستمر بها قصة الوطن.
جيل يوحّد، وجيل يبني، وجيل يطوّر، وجيل يأتي بعده ليكمل الطريق.
ونحن اليوم جزء من هذه السلسلة. أخذنا وطناً بناه من سبقونا، وسنسلمه لمن بعدنا. وبين ما أخذناه وما سنسلمه، توجد مسؤوليتنا. لذلك، فإن الاحتفال باليوم الوطني ليس مجرد فرحة بيوم مضى، بل تقدير لما صنعه السابقون، وفخر بما وصلنا إليه، واستعداد لما يمكن أن نصنعه نحن.
لا نحتفل برحيل مستعمر، بل نحتفل بوطن توحّد، ثم بُني وكبر، وما زال يكمل حكايته بنا.
وفي كل عام، تبقى الراية التي جمعت هذه الأرض شاهدة على قصة بدأت بالتوحيد، واستمرت بالبناء، وستستمر ما دمنا نؤمن أن لكل واحد منا دوراً في مستقبل هذا الوطن.
كل عام والسعودية وطناً واحداً، عزيزاً، شامخاً، ونحن له أوفياء.
alhijazmusleh@
