* الأسى يعتصر الضلوع. الغصة تطعن في الحلق كنصل سكين حاد. الدموع تنهمر من المقل مدرارًا، ويكاد القلب ينفطر تمامًا؛ فنزيف الروح يمتزج بطعم الفجيعة والناعي يبعث بالنبأ الأليم.
* التسليم بالقضاء والقدر ركن لا يصح إيمان العبد إلا به، ولكننا نرفع الأكف ضراعة سائلين المولى- عز وجل- الصبر والثبات، ضعفنا أمام الخطب الجلل تفضحه العيون، نتجاسر حينًا، وندعي التماسك حينًا آخرا، والحقيقة أننا لم نفق من هول الفجيعة بعد.
* المواقف التي نعرفها عن الصديق الحبيب الباشمهندس عمر النمير رئيس نادي المريخ السوداني السابق يصعب حصرها، فالرجل كان سباقًا لعمل الخير دون ضوضاء وشوفونية ورياء، يغيب عندما تسلط الأضواء، ويتمدد حضورًا طاغيًا في ساعات الحرج ولحظات الضيق؛ لذا فإن موته يمثل انطفاء منارة كانت تهدي التائهين في عتمة الطريق.
* عندما تولى مهمة مجلس إدارة نادي المريخ في توقيت صعب عقب الحرب كان النادي يعيش أسوأ فترة في تاريخه، فلأول مرة منذ كارثة الرياضة الجماهيرية يتم تجميد نشاط فريق كرة القدم لشهور طويلة دون رؤية واضحة، أو مجرد الحديث عن تاريخ يتم فيه محاولة تجميع اللاعبين، وما يؤكد عدم الرغبة في إعادة الفريق للتدريبات ناهيك عن إقامة معسكر، أو إيجاد دوري بديل هو عملية تسريح الأجانب بمختلف جنسياتهم، فذهب البرازيليون، وغادر الكولمبي برايان رغم مردوده العالي، ولم يرحم تسونامي التجريف الجنوب سوداني جوزيف معليش، وطال الفتى اليافع الحاصل على الجنسية السودانية كمبالي.
* جاء النمير لفريق لا يوجد في صفوفه محترف أجنبي واحد، كما أنه بلا مساعد مدرب وطني، ناهيك عن مدير فني أجنبي، ورغم ذلك تصدى للمهمة ونفخ الروح في جسد الفريق بالتعاقد مع عدد كبر من اللاعبين الوطنيين والأجانب، وأعاد النادي لدائرة التواجد من جديد، وصرف لوحده ملايين الدولارات بسخاء غير محدود، وحتى رحيله عن الدنيا لم يقل أنني دفعت كذا، ووجدت الحال يغني عن السؤال ، بل كان بعد ترجله يطلب من المقربين منه عدم الحديث، ويقول إن ما تم تقديمه واجب يضاهي تمامًا ما يقدمه لأسرته وأهل بيته، كما أنه كان المحرض الأول والمشجع لصديقه الوفي وشريكه ورفيق دربه المخلص الباشمهندس مجاهد سهل لتولي رئاسة لجنة تسيير نادي المريخ من بعده، وظل مساندًا وداعمًا ومستشارًا في صمت كامل.
*غادر الدنيا رجل عطاء بكته (التكايا) حزنًا وخوفًا، فالحسرة سدت الأبواب برحيله، بينما خافت نيران طهي الطعام أن يفارقها طعم الإشعال، وتصوم عن اللهيب الذي يسد رمق الآلاف بالسودان إبان الحرب الأخيرة، فرحيل عمر أشبه بانتهاء مدة تأمين شامل و(فقدان أمان).
* طبيعي أن يذرف الرجال دموعهم الغالية على رجل بكته الطالبات قبل المعلمات في مدارس لم يرها بعينه، ولكن يده كانت مبسوطة لها، وكيف لا ندمع وقد رحل الذي كان رقيقي الحال يستندون إلى جدار وجوده كلما مالت بهم الأيام، فقد غابت شمس وجوده، لكن النور الذي زرعه خيرًا سيظل يشرق كل يوم بانتظام.
* اللهم نسألك الرحمة والمغفرة للحبيب عمر، وأن يلهم أسرته الصغيرة والكبيرة وعموم (الكوارتة) وأهل أم درمان والصفوة داخل وخارج السودان وجموع الرياضيين والشعب السوداني الصبر والسلوان، فالحزن يخيم على الجميع لرحيل رجل بكته السنابل التي أشبع جائعها، والبيوت التي ستر عوراتها، والقلوب التي جبر كسرها، فقد كان للنوال رمزًا وللجود بابًا، و(برحيله قد تجف أنهار الدموع، لكن بحار الحزن لن تجف).
نفس أخير..
* نبكيك ووين نلقى الدموع .. ياريتها من بعدك تفيد.
وبكت السنابل!
