استكمالًا لما كتبته في الأسابيع الماضية في هذه المساحة، فقد بدأت ممارستي للعمل مراسلًا للصحيفة من موسكو، وفي تلك المرحلة أخذت تتشكل لديَّ شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين والمفكرين والأدباء والإعلاميين الروس، إلى جانب مراسلي الصحف والإذاعات والقنوات العربية. ومع مرور الوقت، تجاوزت هذه العلاقات حدود العمل الصحفي، وتحولت إلى صداقات وعلاقات إنسانية مع عدد من الأكاديميين والمثقفين والمفكرين الروس، وهو ما أتاح لي الاقتراب من الأوساط الثقافية والأكاديمية، والتعرف إلى رؤاها واهتماماتها والقضايا التي تشغلها، كما وسع دائرة معارفي في روسيا، ومكنني من التواصل مع شخصيات ومؤسسات مؤثرة في المشهد السياسي والإعلامي والثقافي.
وكانت لي كذلك علاقات طيبة مع سفراء المملكة العربية السعودية الذين تعاقبوا على سفارة المملكة في موسكو خلال فترة عملي، قامت على التواصل والاحترام المتبادل. وقد أسهمت هذه العلاقات في تعريفي عن قرب بطبيعة العمل الدبلوماسي السعودي في روسيا، ومتابعة نشاطات السفارة ولقاءاتها وفعالياتها، كما وفرت لي مصادر ومعلومات ساعدتني في فهم طبيعة العلاقات السعودية الروسية، وتغطية ما يتصل بها من قضايا وأحداث.
وأتاحت لي مهمتي الصحفية زيارة عدد من دول المنطقة، شملت تركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان، إضافة إلى السويد. وقد شكلت هذه الزيارات امتدادًا مهمًا لتجربتي؛ إذ أتاحت لي متابعة بعض الأحداث من مواقعها، وإجراء اللقاءات، والتعرف إلى التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها، ولا سيما جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وهو ما وسع رؤيتي للمشهد الروسي والإقليمي.
ومن المحطات المهمة في تجربتي أيضًا التعرف إلى وكالتي الأنباء الروسيتين”ريا نوفوستي” و”إيتار تاس”. فقد كانت”ريا نوفوستي” تنظم مؤتمرات ولقاءات صحفية بصورة شبه أسبوعية، تستضيف مسؤولين وشخصيات سياسية ودبلوماسية وثقافية، وتتيح للمراسلين التواصل المباشر معهم وطرح الأسئلة. أما”إيتار تاس” فكانت مصدرًا مستمرًا للأخبار والتقارير والتصريحات الرسمية. وقد شكل الجمع بين المتابعة الميدانية والمصادر الإخبارية أداة أساسية في عملي مراسلًا لـ”الرياض”.
وخلال تلك الفترة، شهد المشهد الإعلامي الروسي إطلاق قناة “روسيا اليوم” الناطقة بالعربية، وأتيحت لي فرصة المشاركة في عدد من برامجها ولقاءاتها، وإبداء الرأي في قضايا إعلامية وتربوية وأكاديمية وثقافية، إلى جانب موضوعات تتصل بالعلاقات العربية الروسية. وكانت هذه المشاركات امتدادًا لعملي الصحفي، وأتاحت لي الانتقال من متابعة الحدث ونقله إلى مساحة أوسع للتحليل وإبداء الرأي .
ومع اتساع شبكة العلاقات والمصادر، تعلمت أن العمل الصحفي في الخارج لا يقوم على الوصول إلى الخبر فحسب، وإنما على بناء الثقة مع المصادر، والتحقق من المعلومات، وفهم سياقها قبل تقديمها للقارئ. وهي خبرة بقي أثرها حاضرًا في عملي الأكاديمي؛ فالبحث العلمي، مثل الصحافة، يحتاج إلى مصدر موثوق، وتحقق دقيق، وقدرة على قراءة ما وراء المعلومة .
وكانت سنوات موسكو حافلة بمتابعة الأحداث السياسية والدولية، وتغطية الزيارات الرسمية والمؤتمرات والفعاليات، وإجراء اللقاءات والحوارات وإعداد التقارير. ولم تقتصر مهمتي على إرسال الأخبار إلى”الرياض”، بل امتدت إلى متابعة المشهد الروسي بمختلف جوانبه، وربط الأحداث بما يهم القارئ ويمنحه فهمًا أوسع للحدث وسياقه.
وشملت مهمتي كذلك تغطية أخبار سفارة المملكة العربية السعودية في موسكو، والأكاديمية السعودية، التي كنت أعمل بها بشكل أساسي، وكان يدرس فيها نحو 500 طالب وطالبة من جنسيات وثقافات متعددة. وكانت الأكاديمية بيئة تعليمية وثقافية مهمة لأبناء الجاليات العربية والمسلمة، وملتقى يحافظ فيه الطلاب على هويتهم ولغتهم وثقافتهم وقيمهم، مع الانفتاح على المجتمع الروسي. وقد أتاح لي ذلك التعرف عن قرب إلى الحياة التعليمية والثقافية للجاليات العربية والإسلامية، وإلى الدور الذي يمكن أن يؤديه التعليم في التواصل بين الثقافات .
ومن أبرز المحطات في تلك الفترة حصولي على شهادة التميز؛ بوصفي مراسلًا صحفيًا متميزًا خارجيًا، ثم تشرفت بتكريمي من يد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز- حفظه الله- حين كان أميرًا لمنطقة الرياض. وكان ذلك التكريم من المحطات التي أعتز بها، لأنه جاء تتويجًا لمرحلة مهنية تعلمت فيها من الميدان، ومن اختلاف البيئات والثقافات، ومن التعامل اليومي مع الحدث والمعلومة والمصادر . هذا، وسوف أستكمل في الأسبوع المقبل، الحلقة الرابعة؛ وهي الأخيرة من هذه التجربة- بإذن الله تعالى.
حين يطوى الورق ولا تطوى الذاكرة (3-4)
