مقالات الكتاب

خبرة بلا بداية

لدينا في المملكة العربية السعودية قصص كثيرة لرجال أعمال وقادة بدأوا من الدرجات الأولى في السلم المهني، وتدرجوا حتى وصلوا إلى القيادة. وعالميًا تتكرر الحكاية؛ فالخبرة لا تولد في مكاتب الإدارة العليا، بل في البدايات التي لا توفرها الكتب.
اليوم، قد يكون الذكاء الاصطناعي على وشك تغيير هذا الطريق.
المعادلة مغرية للشركات: إذا كانت التقنية تنجز في دقائق ما يحتاج الموظف المبتدئ إلى ساعات لإنجازه، فلماذا نوظفه؟ لكنه حساب قصير النظر؛ لأن الوظيفة الأولى لم تكن مجرد وسيلة لإنجاز المهام الروتينية، بل كانت مدرسة غير معلنة لصناعة الخبرة.
المحلل الشاب يجمع الأرقام قبل أن يتعلم قراءة ما وراءها، والمحامي يراجع الوثائق قبل بناء الحجج، والصحفي يبحث ويدقق قبل امتلاك الحكم التحريري، والمهندس يبدأ بالمهام الصغيرة، يخطئ ويتعلم، قبل أن نأتمنه على القرارات الكبيرة.
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي يتقن تحديدًا هذه الدرجات الأولى. ففي تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع «برايس ووترهاوس كوبرز» في يونيو 2026، استند إلى آراء أكثر من تسعة آلاف موظف مبتدئ في 48 دولة، ظهر أن أكثر من ثلث العاملين الشباب عالميًا يعملون في مهن معرضة بدرجة متوسطة أو مرتفعة لتغير المهام بفعل الذكاء الاصطناعي. ولم يدعُ التقرير إلى حماية الوظائف القديمة، بل إلى إعادة ابتكار أبواب الدخول إلى سوق العمل.
وتتضح الإشارة في دراسة لإريك برينجولفسون وبهارات تشاندار ورويو تشن من مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد؛ إذ وجدوا أن العاملين بين 22 و25 عامًا في المهن الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي شهدوا انخفاضًا نسبيًا في التوظيف بلغ 16 في المئة، بينما كان الأكثر خبرة أكثر استقرارًا، وإن حذر الباحثون من اختزال التحولات في سبب واحد.
وتشير «بروكينغز» إلى أن نحو 11 مليون عامل أميركي بلا شهادة جامعية لأربع سنوات يعملون في وظائف تفتح طريقًا إلى أجور أفضل. إغلاق هذه البوابات لا يلغي وظيفة فحسب، بل قد يلغي طريقًا للحراك المهني والاجتماعي.
وليس المطلوب الدفاع عن كل مهمة روتينية. فالذكاء الاصطناعي قد يصبح مدربًا للموظف الشاب: يشرح ويقترح، ويتيح له الوصول إلى أعمال أكثر تعقيدًا. وتشير أبحاث في «هارفارد بزنس ريفيو» إلى أن القيمة الجديدة تكمن في تجاوز خط الأساس الذي توفره التقنية، خصوصًا في الحكم والخبرة المتخصصة.
وهنا السؤال في سوقنا المحلي: كيف نطلب من الخريج خبرة إذا كانت الوظائف التي تمنحه إياها أول ما تتولاه تقنية الذكاء الاصطناعي؟
قد نحتاج إلى تلمذة مهنية حديثة، وتدريب مرتبط بالعمل الحقيقي، ومسؤوليات فعلية بجوار أصحاب الخبرة، وتعليم الشباب مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي واكتشاف أخطائها.
فالخبرة لا تُمنح بشهادة ولا تُختصر بدورة أو أمر للآلة؛ إنها سنوات من المحاولة والخطأ والمسؤولية. وقد توفر الشركة اليوم تكلفة موظفين مبتدئين، ثم تكتشف بعد عقد أنها أوقفت، من حيث لا تدري، خط إنتاج خبرتها البشرية.
السلم المهني لا يبدأ من منتصفه. فإذا أغلقنا أمام شباب اليوم باب الوظيفة الأولى، فبأي باب نتوقع منهم أن يدخلوا إلى مستقبلهم؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *