لم يعد التحول الذي تشهده الأندية السعودية الكبرى مجرد تغيير في الأسماء، أو المقاعد الإدارية، بل أصبح انتقالًا حقيقيًا من مفهوم النادي التقليدي إلى مفهوم الشركة الرياضية. ومع إعلان وزارة الرياضة بدء نقل ملكية الحصة البالغة 25 في المئة، التي كانت تملكها المؤسسات غير الربحية في شركات الهلال والنصر والاتحاد والأهلي، إلى صندوق الاستثمارات العامة، بالتزامن مع حل مجالس تلك المؤسسات، دخلت الأندية الأربعة مرحلة جديدة، تستحق قراءة أعمق من لغة التهاني والبيانات الرسمية.
السؤال اليوم ليس: من سيتولى رئاسة هذا النادي أو ذاك؟ بل: كيف ستُدار هذه الكيانات بعد توحيد الملكية؟ ومن سيحاسب إداراتها على قراراتها المالية والرياضية؟ وما المعايير التي ستحدد نجاحها بعيدًا عن نتيجة مباراة، أو صفقة يتصدر اسمها منصات التواصل؟
تحويل الأندية إلى شركات لا يعني تغيير الصفة القانونية فقط. الشركة الناجحة مطالبة ببناء مصادر دخل مستدامة، وتطوير منشآتها، والاستثمار في الأكاديميات، ورفع قيمة علامتها التجارية، وإصدار تقارير مالية واضحة، وربط صلاحيات مسؤوليها بمؤشرات أداء قابلة للقياس. أما استمرار العمل بالعقلية القديمة، القائمة على الإنفاق الموسمي، وردود الفعل الجماهيرية، فسيفرغ التخصيص من مضمونه؛ مهما ارتفعت قيمة الصفقات.
ولكي تكون الخطوة مقنعة، تحتاج كل شركة إلى إعلان إستراتيجيتها بوضوح: ماذا تريد خلال خمسة أعوام؟ كيف ستنمو إيراداتها؟ وما حصتها المستهدفة من الاستثمار التجاري بدل الاعتماد على التمويل المباشر؟ كما ينبغي نشر تقارير سنوية تبين الإيرادات والمصروفات والديون والنتائج الرياضية وتطور الفئات السنية، حتى تصبح المحاسبة قائمة على المعلومات، لا على الانطباعات المتغيرة، وعرض هذه البيانات للجماهير بانتظام، لا عند الأزمات أو تبدّل الإدارات فقط.
ويبقى الجمهور الطرف الأهم في هذه المعادلة. فالأندية لم تصنع قيمتها من رؤوس الأموال وحدها، بل من تاريخها ومدرجاتها وارتباط الناس بشعاراتها؛ لذلك يجب ألا يؤدي التحول الاستثماري إلى إبعاد المشجع عن صناعة المشهد، أو اختزال علاقته بالنادي في شراء التذاكر والمنتجات. المطلوب إيجاد قنوات منظمة لسماع صوته، وقياس رضاه، وحماية هوية ناديه، دون السماح للعاطفة بالتدخل في القرار التنفيذي.
كذلك تبرز مسؤولية في ضمان عدالة المنافسة ووضوح آليات الدعم والتعاقدات، خصوصًا مع اتجاه الملكية الكاملة للأندية الأربعة إلى مظلة واحدة. فنجاح التجربة لن يُقاس فقط بعدد البطولات، أو النجوم العالميين، بل بقدرتها على بناء منافسة موثوقة، وبيئة استثمارية جاذبة، ونموذج إداري يمكن أن تحتذي به بقية الأندية.
المرحلة المقبلة لا تحتاج مسؤولًا يجيد امتصاص غضب الجماهير بعد الخسارة، بقدر حاجتها إلى مدير تنفيذي يصنع الإيرادات، ويضبط المصروفات، ويبني مشروعًا طويل الأمد. لقد انتقلت الأندية إلى زمن الشركات؛ والاختبار الحقيقي الآن أن تتحول الإدارة من الوعود إلى الأرقام، ومن الأشخاص إلى المؤسسات، ومن البحث عن بطولة عاجلة إلى صناعة نادٍ قادر على الاستمرار.
الأندية الأربعة أمام الاختبار الأصعب..
