مقالات الكتاب

الأمن الغذائي والمائي… أولوية وطنية في عالم المتغيرات

لم يعد الأمن الغذائي والمائي قضية خدمية، أو قطاعية تقتصر على توفير الغذاء، أو المياه، بل أصبح أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في ظل ما يشهده العالم من متغيرات جيوسياسية متسارعة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وتغيرات مناخية، وارتفاع الطلب على الموارد الطبيعية.
وقد أولت المملكة العربية السعودية هذا الملف اهتماماً كبيراً، ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، من خلال تنويع مصادر الغذاء، وتعزيز المخزون الإستراتيجي، والاستثمار في التقنيات الزراعية الحديثة، والتوسع في تحلية المياه، ورفع كفاءة إدارتها، وتطوير سلاسل الإمداد، بما يعكس رؤية استباقية؛ تهدف إلى تعزيز الاستدامة، وتقليل المخاطر، ورفع جاهزية الدولة.
وفي موازاة هذه الجهود، تبرز الحاجة إلى مراجعة مستمرة للتوجهات الإستراتيجية للقطاع الزراعي، بما يعزز دوره في تحقيق الأمن الغذائي على أسس أكثر استدامة وكفاءة. ويتطلب ذلك إعادة توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الزراعية ذات القيمة المضافة الأعلى، والتوسع في تبني التقنيات الزراعية الحديثة، والزراعة الذكية، والابتكار في إدارة المياه والتربة، بما يحقق أعلى إنتاجية بأقل استهلاك للموارد الطبيعية.
إلا أن نجاح هذه الجهود لا يعتمد على المشروعات والاستثمارات وحدها، بل يتطلب وجود رؤية مجتمعية متكاملة تجعل الأمن الغذائي والمائي مسؤولية مشتركة، يشارك فيها المواطن والمقيم والقطاع الخاص، إلى جانب الجهات الحكومية.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن هدر الغذاء واستهلاك المياه بصورة غير رشيدة يمثلان أبرز التحديات، التي تواجه استدامة الموارد في كثير من دول العالم. ومن هنا، فإن بناء الوعي المجتمعي لا يقل أهمية عن بناء البنية التحتية؛ فكل لتر ماء يُحافظ عليه، وكل وجبة تُستهلك دون هدر، تمثل مساهمة مباشرة في تعزيز الأمن الوطني.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب أن تتحول مفاهيم الأمن الغذائي والمائي إلى ثقافة وطنية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، ومؤسسات القطاعين العام والخاص، من خلال برامج توعوية مستمرة.
ولعل من المهم أيضاً تعزيز التكامل بين الجهات المعنية بالأمن الغذائي والمائي، وتطوير مؤشرات وطنية تقيس مستوى الوعي المجتمعي، وأنماط الاستهلاك، ونسب الهدر، إلى جانب المؤشرات المتعلقة بالإنتاج والمخزون.
إن الأمن الغذائي والمائي لم يعد تحدياً تنموياً فحسب، بل أصبح قضية سيادية واستراتيجية تتطلب استشراف المستقبل، والتخطيط بعيد المدى، وتكامل الجهود الرسمية والمجتمعية. فالدول قد تنجح في بناء السدود، ومحطات التحلية، والمخزونات الاستراتيجية، لكنها لن تحقق أمناً غذائياً ومائياً مستداماً ما لم يتحول الحفاظ على الموارد إلى ثقافة مجتمعية راسخة، يؤمن بها الجميع ويمارسونها في حياتهم اليومية، إدراكاً بأن حماية هذه الموارد مسؤولية وطنية، يشترك فيها كل من يعيش على أرض هذا الوطن.
وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية والمناخية المتسارعة، لم يعد الأمن الغذائي والمائي ملفاً قطاعياً، بل أصبح أولوية وطنية تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تتجاوز توفير الموارد إلى بناء منظومة مستدامة تشمل تطوير القطاع الزراعي، وتعزيز البحث والابتكار، ورفع كفاءة استخدام المياه، وترسيخ ثقافة مجتمعية مسؤولة في استهلاك الموارد.

awasel64@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *