مقالات الكتاب

فضفضة

إني فعلًا حزين على فن الكاريكاتور.
وأول ما تعلقت بمطالعته قبل 40 سنة، كانت جريدة الأخبار المصرية تعتني به يوميًا.. صندوق صغير وسط الصفحة الأولى، حول زوج وزوجة بعنوان”الحب هو”. وكل يوم يعطيك الرسام تعريفًا طريفًا للحب فأحيانًا يقول لك: الحب هو أن تسلمها الراتب في أول الشهر كاملًا. وأحيانًا يسخر من الزوجة، وهي في المطبخ تقشر البصل وتتابع الانتخابات في البرلمان. إلخ.
وقد برز ناجي العلي في جريدة القبس الكويتية في هذا الفن، كما برز محمود كحيل في جريدة الشرق الأوسط. وأذكر أن كحيل رسم كاريكاتور لرجل لبناني وساقه مشبوكة بسلسلة فولاذية، وفي آخر السلسلة قنبلة والرجل يصيح ويستنجد. فجاءه الرئيس ريجان لكنه بدلًا من أن يقطع السلسلة بدأ يقطع ساق الرجل؛ لكيلا تنفجر القنبلة فيه.
وقبل أسبوعين عثرت في مكتبتي على عدد قديم من ريدرز دايجست في عام 1997 وفيه لقطة ساخرة. يقول مدير شركة لطالب وظيفة: نحن نفضل تشغيل المتزوجين؛ لأنهم لا يحبون العودة إلى منازلهم حال انتهاء ساعات الدوام. وهذه المجلة شهرية وكان يقرؤها سبعة وعشرون مليونًا، وتطبع بـ 19 لغة. ومن المفارقات أن”مجلة العصر الحديث” السوفياتية سخرت من الرئيس رونالد ريجان في بداية عهده قائلة: إنه لا يقرأ سوى ريدرز دايجست.
ولما طالعت موضوعات المجلة وجدتها لا تمل؛ ففيها موضوعات متنوعة ممتعة أحيانًا ومفيدة أحيانًا. ومنها موضوع لكاتب أمريكي عن والده يصفه بأنه متفائل إلى درجة التصوف، وأي مشكلة تواجهه؛ فإنها” فرصة للتطوير”. بل إنه إذا لعب الجولف وسدد خصمه ضربة قوية ضده، فإنه يذهب إلى الخصم ويقبله مهنئًا له على إتقان اللعبة.
هذه المجلة لها 27 مليون قارئ، وتطبع بـ 19 لغة شهريًا. أما عندنا فالجريدة الواسعة الانتشار وصلت في ماضي الزمان إلى 100 ألف نسخة اليومية. وافتخرت مجلة العربي الكويتية الشهيرة أنها وصلت ذات شهر إلى طباعة 320 ألف نسخة. ولكن اتجاه المؤسسات الصحفية الآن يتجه للتحول الرقمي وإيقاف الطباعة، وجريدة الرياض ومجلة اليمامة سوف توقفان الطباعة الورقية في 24 أغسطس الحالي. فالمستودعات ضاقت بالصحف والمجلات الورقية، التي عزف الجمهور عن شرائها. لقد سيطرت القراءة الرقمية الضوئية على حياتنا تمامًا. وأظن أن الشيخ حمد الجاسر، وهو أول من نشر الرياض واليمامة قبل عشرات السنين لو أنه عاد إلى الحياة، فسوف يوافق على تسكير النسخ الورقية. فعلى الأقل هناك فائدة جانبية تتمثل في تقليل استهلاك الورق.
وإذن فلا داعي للحسرة على اختفاء فن الكاريكاتور والرسوم الهزلية، ما دامت المانشيتات الجادة على الصفحات الأولى قد أحيلت إلى التقاعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *