أما علي الأول، وهو ستيني.. بدأت التعرف عليه لأول مرة بخصومة؛ إذ كان يصلي في المسجد فشددت ثوبه أثناء الركوع لسد الفرجة بيني وبينه. وبعد الصلاة نظر إلي شزرًا، وقال لي: سحبت ثوبي بقوة أيش لو انقطع هل تخيطه لي؟ استسمحت منه لكن عينه الوحيدة كانت حمراء من الغضب. واكتشفت أنه مع فقره، كان عفيف النفس، وعمله في البحث عن العلب المعدنية الفارغة في صناديق المخلفات، ويحملها في كيس معه على ظهره. وقد رأيته مرات عديدة يحمل الكيس في الصيف، وقد ملأه بما يسر الله من العلب. وقد أعطيته ذات مرة ورقة عشرين ريالًا فأخذها متهللًا؛ ثم اكتشفت فيما بعد أنها ورقة مائتي ريال. ولو استكثرتها عليه بعد موقف خشيته من انقطاع ثوبه إني إذن للئيم. فربما كان الثوب الوحيد لديه. وعرفت أنه يعيش في غرفة في سقف عمارة وحيدًا، كما لو كان مقطوعًا من شجرة. وقد سألته من باب الفضول من أين جاء، فقال إنه من جيزان. وأخشى أنه إذا جاءه الأجل لا يجد من يقوم به. ولكني واثق أن الله لن يضيعه.
والثاني هو الفاكهاني؛ فهو يشتري عشرات الكراتين من الفاكهة والخضروات رغم مساحة محله الضيقة، فيبيعها بأيسر ربح. لذلك يجيئه زبائن يبعدون عنه عشرة كيلومترات. وإذا ضاق محله، ففي أوتوبيسه الصغير ذات الأبواب الثلاثة مساحة كافية. ويغيب إذا تعطلت. وقد سُرقت منه ذات يوم فلم يجدها إلا بعد يومين منزوعة بعض القطع. ووقفت به مرة تحت أحد الأنفاق فجاءه عسكري المرور وسأله: مالك؟ فقال: عبأت السيارة بالوقود، ولكن عامل المحطة أخطأ فملأ الأوتوبيس بالديزل بدلًا من البنزين. فقام العسكري الشهم بصف سيارته وراء الأوتوبيس، وقال لعلي الفاكهاني هيا اركب. ثم ألصق السيارة المرورية بمؤخرة الأوتوبيس، وسار يدفع الأوتوبيس حتى خرج من النفق. قال علي: كلفتني عملية تفريغ الديزل 300 ريال. وقبلها إصلاح الأوتوبيس ألف ريال. لكنه استمر حسب علمي في احتلال المركز الأول في جدة في المكسب القليل. وقد قال شعيب عليه السلام: بقيت الله خير لكم إن كنتم تعلمون.
وهو يشدد على الزبائن بعبارته المعروفة” قلّبوني ولا تقلبوا بضاعتي”. وقد حفزني لكتابة قصته أن زبونًا اشترى منه تفاحًا، ثم أعاده وطلب القيمة. قال علي: وجدت أن التفاح ناقص نصف كيلو. صحيح أن عليّ الثاني سمح، لكنه لا يقبل أن يستغفله أحد.
عليان
