بعض الشخصيات تعيش؛ وكأنها موسوعة متنقلة؛ تعرف في السياسة، وتفهم في الإعلام، وتحلل في الاقتصاد، وتفتي في العلاقات، وتتحدث في الثقافة والسياحة والإدارة، وإن فتحت معها بابًا جديدًا لم تتردد لحظة في أن تقول لك:” أنا أعرف”.
والأغرب أنها لا تكتفي بمعرفتها المزعومة، بل تحاول أن تقنعك بأنك أنت لا تعرف، وأن فهمك ناقص، وأن تجربتك محدودة، بينما هي صاحبة الرأي الأول والأخير!
إلى متى هذا الادعاء؟
ليس عيبًا أن تقول:” لا أعرف”، بل ربما تكون هذه الجملة من أكثر الجمل التي تدل على وعي الإنسان وثقته بنفسه. فالمعرفة بحر، وكلما اتسعت معرفة الإنسان أدرك حجم ما يجهله.
أما مدّعو المعرفة، فيكفيه أن يمسك بأول الخيط، ثم ينسج حوله حكاية طويلة من المعلومات والآراء والتحليلات، ويتحدث بثقة تجعل من يسمعه يظن أنه أمضى سنوات في دراسة الموضوع، بينما الحقيقة أنه ربما سمع عنه قبل دقائق!
المشكلة ليست في قلة المعرفة؛ فجميعنا نجهل أشياء كثيرة، وإنما المشكلة في الثقة العالية المصاحبة للجهل، وفي تحويل المعلومة الناقصة إلى حقيقة، والرأي الشخصي إلى قاعدة، والتجربة المحدودة إلى خبرة يُراد فرضها على الجميع.
وهناك نوع آخر أكثر إزعاجًا؛ لا يريد أن يعرف فقط، بل يريد أن يكون الأعرف دائمًا. إن تحدثتَ قال:”أعرف”. وإن شرحتَ قال:” فاهم”. وإن رويتَ تجربة عاشها غيره، أخبرك أنه يعرف تفاصيلها أكثر ممن عاشها!
وكأن الحوار معه ليس لتبادل المعرفة، بل مسابقة يجب أن يفوز فيها بلقب: أنا أفهم أكثر منكم جميعًا.
الحياة لا تحتاج منا أن نكون موسوعات، ولا أن نمتلك إجابة عن كل سؤال. تحتاج فقط إلى شيء من التواضع أمام المعرفة، واحترام تخصصات الآخرين وتجاربهم وعقولهم.
فليس كل من أمسك أول الخيط عرف الحكاية كاملة، وليس كل من تحدث بثقة أصبح خبيرًا.
وأحيانًا تكون كلمة” لا أعرف” أكثر علمًا وصدقًا من حديث طويل نُسج بخيوط الادعاء.
أما من يصر على أنه يفهم كل شيء، فربما الشيء الوحيد الذي لم يفهمه بعد هو:
أن الإنسان الذي يعرف فعلًا، يعرف جيدًا كم بقي له مما لا يعرف.
أنا أفهم كل شيء!
