مقالات الكتاب

الصندوق والعشم

انتقال ماتياس يايسله من تدريب الأهلي إلى نيوكاسل حلقة في مسلسل”الغرابة”، التي بات الجمهور الرياضي يتعايش معه وتتكرر فصوله، ولا يزال السؤال الأكثر إلحاحاً لم يجد إجابة مقنعة، وهي آلية إدارة جهة لعدة أندية وأن تكون في آن واحد، ويومها قيل إن “الحوكمة” تضمن الفصل التام بين الأندية باستقلالية كاملة، ثم جاءت الانتقالات بين الأندية الأربعة نفسها، واليوم.. مع انتقال يايسله من الأهلي إلى نيوكاسل المملوك للصندوق ذاته، تتكرر القصة لكن هذه المرة عابرة للقارات؛ لتثير التساؤلات مرة أخرى.
المشكلة ليست في الصفقة، بل في المنطق الذي يبررها؛ حين يُسأل المتابع العادي عن رأيه في مثل هذه الانتقالات، غالباً ما يأتي الجواب أن هذه “استثمارات ضخمة ومحسوبة بدقة”، وهنا بيت القصيد من أين جاءت هذه الثقة أصلاً؟ الصندوق، في نهاية المطاف، ليس كياناً خارقاً بالمنطق المؤسساتي. إنه شركات وإدارات ومجالس واستشاريون وموظفون يتخذون قرارات، يصيبون أحياناً ويخطئون أحياناً أخرى، تماماً كأي جهة إدارية أخرى في العالم، فلماذا مُنح هذا المقدار من (العشم) الذي لم يمنح لأي جهة أو لجنة أو اتحاد رياضي؟
الإجابة، في تقديري، لا علاقة لها بالأداء الفعلي، بقدر ما لها علاقة بحجم الإنفاق ذاته، فحين تُضخّ مبالغ كبيرة في صفقات نوعية في صفقة تلو الأخرى، يتولّد انطباع جمعي بأن الحجم المالي مرادف للكفاءة الإدارية، وأن من يملك القدرة على الإنفاق بهذا الشكل لا بد أنه يعرف ماذا يفعل وهنا تولد سقف التوقعات العالي، أو بمعنى آخر (العشم).
هذا”العشم” بُني على خطة مستقبلية وخطاب تسويقي محكم، ولكنه قد يكون أغفل منها الجانب الاتصالي، وهذا لا يعني بالضرورة أن كل قرار خاطئ، أو أن انتقال يايسله بالتحديد كان قراراً سيئاً من الناحية الفنية البحتة ، ولكن القضية أعمق من صفقة واحدة، ولكن هي غياب الإطار الذي يسمح للجمهور والإعلام بمحاسبة الجهة المالكة بالمعايير نفسها، التي تُحاسَب بها أي إدارة أخرى، فحين يفشل نادٍ خاص في صفقة، يُنتقد مالكه ومديره الرياضي وربما يُحاسب، وفي أمور أخرى يذوب النقد في عمومية”الاستثمارات الكبرى” وما نحتاجه بسيط جداً، وهو الشفافية في معايير القرارات الفنية والإدارية العابرة للأندية.
@MohammedAAmri

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *