من أجمل صور الحياة، أن يرى الإنسان أبناءه يكبرون أمام عينيه، ويتخرجون، ويتزوجون، ويؤسسون أسرهم، بعد سنوات طويلة قضاها في الكفاح والعمل والتربية. فالأب يبدأ حياته لا يملك شيئًا، ثم يبذل عمره وجهده ليصنع مستقبل أسرته، حتى إذا تقدم به العمر، أصبح هو من يحتاج إلى الرعاية والاهتمام والرفقة.
ومع تغير ظروف الحياة، ينشغل الأبناء بوظائفهم وأسرهم، وقد يبتعد بعضهم عن والديه بسبب العمل أو السكن. كما أن الزوجة قد تتقدم بها السن، أو يرهقها المرض، أو تنشغل برعاية الأحفاد وشؤون الأسرة، فتتغير طبيعة الحياة الزوجية مع مرور الزمن. وهذه أمور طبيعية لا ينتقص منها شيء.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل: هل يفكر الأبناء في الاحتياجات النفسية والاجتماعية لوالدهم كما يفكرون في علاجه وطعامه وخدمته.
كثير من الأسر تحرص على توفير السائق والعاملة المنزلية، وهما يؤديان دورًا مهمًا في الخدمة، لكنهما لا يعوضان الأنس والمودة والاستقرار النفسي. وإذا كان الأب يرى أن الزواج يحقق له السكن والطمأنينة، أو كانت هناك ظروف أسرية تجعل ذلك خيارًا مناسبًا ومشروعًا، فلماذا يقف بعض الأبناء في وجه رغبته؟ أليس الأولى أن يناقشوا الأمر بعقل وحكمة، وأن ينظروا إلى مصلحته قبل نظرة المجتمع أو حسابات الميراث
قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، وقال سبحانه: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة”.
إن بر الوالدين لا يقتصر على العلاج والنفقة، بل يشمل احترام مشاعرهما وتقدير احتياجاتهما المشروعة. وقد يكون الزواج في بعض الحالات بابًا إلى العفة، والسكينة، والاستقرار النفسي، إذا تم برضا أطرافه ووفق أحكام الشريعة، دون ظلم أو تقصير في حقوق الزوجة القائمة أو الأبناء.
ولعلنا بحاجة إلى أن نغيّر نظرتنا إلى شيخوخة الوالدين؛ فهما لا يحتاجان إلى الرعاية الجسدية فحسب، بل إلى من يحفظ لهما كرامتهما، ويمنحهما الشعور بأنهما ما زالا يعيشان حياةً كريمة مليئة بالمودة والاهتمام. فذلك هو البر الحقيقي، وذلك بعض الوفاء لمن أفنى عمره في سبيل أبنائه.
زواج الأب بالكبر بر من الأبناء
