لم يعد مقبولًا أن يستمر المنتخب السعودي في تكرار الأخطاء ذاتها في كل مشاركة عالمية، بينما تمضي منتخبات أخرى بخطوات ثابتة نحو التطور، حتى أصبحت تنافس الكبار، وتحقق نتائج كانت قبل سنوات تبدو بعيدة المنال؛ فالخروج الأخير من كأس العالم، والتواجد في ذيل الترتيب، لا يجب أن يكون مجرد نتيجة عابرة، بل محطة حقيقية للمراجعة وإعادة البناء.
كرة القدم الحديثة لا تعترف بالأسماء أو التاريخ، وإنما تعترف بالعمل المؤسسي والتخطيط طويل المدى. ومن يتأمل تجارب المنتخبات، التي حققت قفزات نوعية خلال السنوات الأخيرة، يدرك أن النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة الاستثمار في الفئات السنية، وتطوير المدربين، والاعتماد على المنافسة القوية، ورفع جودة المسابقات المحلية.
وفي المملكة، لا يمكن إنكار أن دوري روشن السعودي أصبح واحدًا من أقوى الدوريات الآسيوية، خصوصًا بعد فتح الباب لاستقطاب نخبة من اللاعبين العالميين، حتى وصل عدد اللاعبين الأجانب إلى ثمانية في الفريق الواحد، إضافة إلى انفتاح الأندية على التعاقدات الخارجية. هذه التجربة رفعت المستوى الفني للدوري، وزادت من جاذبيته، وأسهمت في تطوير الجوانب الاحترافية داخل الأندية.
لكن السؤال الأهم: هل انعكس ذلك بالشكل الكافي على المنتخب الوطني؟
الإجابة حتى الآن تبدو واضحة. فالنجاح الذي تحقق على مستوى الأندية لم ينتقل بالصورة المطلوبة إلى المنتخب، وهو ما يستوجب دراسة دقيقة لكيفية الاستفادة من هذه التجربة، وليس الاكتفاء بمشاهدة النجوم، وهم يقدمون مستويات عالية داخل الملاعب السعودية.
وجود هذا العدد الكبير من اللاعبين العالميين يمثل فرصة ذهبية للاعب السعودي، إذا أحسن استثمارها. فالاحتكاك اليومي مع لاعبين يملكون خبرات دولية كبيرة يرفع من جودة الأداء، ويعزز الثقافة الاحترافية، ويكسب اللاعب المحلي خبرات لا يمكن اكتسابها في بيئات أقل تنافسية. لكن هذا يتطلب أن يكون اللاعب السعودي حاضرًا في المنافسة، وأن يحصل على دقائق لعب كافية، وأن يكون قادرًا على فرض نفسه داخل التشكيلة الأساسية.
كما أن التجارب العالمية أثبتت أن النجاح لا يتحقق بمجرد استقدام النجوم، بل ببناء منظومة متكاملة تبدأ من الأكاديميات، مرورًا بتطوير المدرب الوطني، ووصولًا إلى إعداد لاعب يمتلك الشخصية والقدرة على المنافسة في أعلى المستويات. فالمنتخبات التي أصبحت اليوم تنافس على الألقاب لم تصل إلى ذلك بين ليلة وضحاها، وإنما عبر مشاريع استمرت لسنوات، التزمت بالاستقرار والعمل العلمي.
ومن المهم أيضًا أن تدرس لجان الاتحاد السعودي لكرة القدم تجارب الدول الناجحة في إدارة المسابقات، وتطوير الحكام، وتأهيل المدربين، واكتشاف المواهب، لأن المنظومة الكروية سلسلة مترابطة، وأي خلل في أحد عناصرها سينعكس على المنتخب الأول؛ مهما بلغت قوة الدوري.
إن المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وواقعية في تقييم التجربة، والابتعاد عن الحلول المؤقتة. فالمنتخب السعودي يملك الإمكانات، والدعم، والبنية التحتية، لكنه يحتاج إلى مشروع فني متكامل، يستفيد من كل عناصر القوة الموجودة في الكرة السعودية.
الاستفادة من تجارب الناجحين ليست تقليدًا أعمى، وإنما قراءة واعية لما حققه الآخرون، ثم بناء نموذج سعودي يناسب بيئتنا وطموحاتنا. وعندما يتحول التعلم من التجارب إلى ثقافة مؤسسية، فإن العودة إلى منصات الإنجاز لن تكون حلمًا بعيدًا، بل نتيجة طبيعية لعمل احترافي يبدأ من اليوم قبل الغد.
الاستفادة من تجارب الناجحين
