مقالات الكتاب

الحسيني

انبجست عين ماء في حقل لآل شهاب بقرية الحمراء القريبة من لحج، التي ليس بينها وبين عدن سوى 45 كيلومترًا، وكانت عدن وقتذاك، في حدود العام 1950م، تحت الاستعمار البريطاني كما هو معلوم للقارئ. وكان البلاط السلطاني في عهد السلطان عبد الكريم فضل سلطان لحج في تلك الأثناء يناقش في قصره الأبيض جنوب العاصمة الحوطة مسودة دستور جديد للسلطنة اللحجية. وكان كل الحضور في سعادة غامرة؛ لأن بستان الحسيني الواسع في تلك السنوات قد أثمر ثماره الكثيرة. وكان أهم شيء عندهم هو توفير المياه لهذا البستان. فالماء أرخص موجود، وأغلى مفقود. أما القضية الرئيسة التي كانوا يتداولون النقاش حولها، فهي العين التي نبعت في أرض آل شهاب. وقد أصر السلطان على أن العين ملك له، لا لآل شهاب. وفي اليوم التالي أرسل عبيده فقاموا بتحويل مجرى العين الجديدة إلى السواقي التي تسقي أراضي السلطان. وحدث ما لم يكن في الحسبان. فقد انقطعت العين عن النبع. فلما التأم مجلس الديوان السلطاني في اليوم التالي، قال السلطان، وهو يشعر بانكسار كئيب: هل من حل؟ فقال الوزير البارز لديه: نحن ناقشنا مسودة الدستور خلال الفترة الماضية، لكن جاءت هذه القضية امتحانًا لك يا مولانا، فآل شهاب قرروا أن يكون الينبوع لهم مدة أسبوع، وفي الأسبوع التالي للسلطان، وفي الأسبوع الأخير لبقية الرعية. قال السلطان: أنا موافق فاذهب يا سيد إليهم وأبلغهم أني قد وافقت على خطتهم. ركب السيد حصانه وتوجه إلى قرية الحمراء، وخلال نصف ساعة وصل إليها فاستقبله أهلها بحفاوة، وتوجه إلى منزل آل شهاب. وبعد السلام والترحيب سألهم ما الذي تريدون. فقال كبير آل شهاب: لقد أعطينا كل ذي حق حقه. فقال السيد: أنا رسول السلطان إليكم، وهو يقول إنه موافق على خطتكم. وبقدرة الله ودعاء آل شهاب انفجرت العين مرة ثانية. زوجة عمي- رحمها الله- هي التي حكت لي هذه القصة يوم الأربعاء 18/1/1438هـ. لكني لست أدري ما حدث فيما بعد. وكنت في صباي قد زرت بستان الحسيني في لحج الخضيرة، ربما في عام 1962م. ولا زلت أتذكر أن أشعة الشمس كانت خطوطًا قليلة؛ مثل السهام لأن الأشجار ظللت مساحة البستان. ثم زرت الحسيني عام 1990م قبل الوحدة اليمنية بنحو شهرين أو ثلاثة؛ فوجدنا الشمس ساطعة والأشجار خطوط قليلة مثل السهام. وفي هذا العام 1448هـ مر على انبجاس ينبوع آل شهاب أكثر من 80 سنة وبين الينبوع الذي انقطع وبين بستان الحسيني 5 كيلومترات. لكن البستان حسب ما قال لي بعض العارفين قد ضربه الجفاف، وانقرضت مناظره الظليلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *