كثير من الناس قد سمع بقصة العربي الشهم، الذي افتدى فرسه، وأضاع حقه في استرداده من رجل ملثم لا عهد له ولا ذمة، استولى على الفرس وهرب به، بعد أن مثل عليه دور المسكين العاجز عن المشي على الأقدام، فما كان من ذاك الفارس الذي غُدِر به، إلا أن صاح عالياً موصياً إياه، أن لا يخبر أحداً عما حصل” حتى لا تموت المروءة بين الناس”.
من أتاه الله المروءة في صفاته؛ فقد أوتي خيراً عظيماً. المروءة تحتاج إلى انسان صادق في كلامه، أمين في معاملاته وفي للعهود، كريم من غير إسراف أو رياء. يقف مع الناس في الشدائد وينصر المظلوم، يتحمل المسؤولية، يحفظ لسانه عن الكذب والغيبة والسخرية والفحش، يحترم الآخرين في أعرافهم ومكوناتهم ومذاهبهم.
في تاريخنا العربي نماذج لشخصيات اشتهرت بالمروءة، وكل ما يعزز معانيها، ألم يُقَل عن بعض النساء:” امرأة بألف رجل” لما تحلين به من شجاعة في الحروب وكفالة للأيتام وثبات عند الشدائد؛ كأم سلمة وأم عمارة وخولة بنت الأزور! ألم يُقَل:” أكرم من حاتم الطائي” الذي أصبح مضرباً للمثل في السخاء ومساعدة المحتاجين! ألم يُقَل:” أوفى من السموأل” الذي اشتهر بالوفاء والأمانة وحفظ العهد، وهو الشاعر الذي قال في إحدى قصائده:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه… فكل رداء يرتديه جميل
ألم يُقَل في الخليفة عمر بن الخطاب؛ إنه الفاروق الذي ارتبط اسمه بالعدل، وأعماله بتفقد أحوال الرعية، خاصة في عام الرمادة (المجاعة) حيث كان يحمل الطعام للفقراء بنفسه، وقد قال كلمته الشهيرة:” كيف أهنأ بطعامٍ والناس حولي جياع”. ألم تصرخ امرأة مسلمة”وامعتصماه” حتى يجهز المعتصم بالله جيشاً لإنقاذها، ويقود حملة عسكرية ضد الدولة البيزنطية!
في يومنا هذا، ومع ضغط المصالح والمنافسة، ومع ضعف الروابط الاجتماعية والأسرية، ومع انتشار السلوكيات الأنانية، خاصة لدى البيئة الرقمية، ألم تستغث المروءة من سلوك وتصرفات من لا يأبه بشعور الناس، ويزعج الآخرين بالأصوات الصاخبة، ويرمي القمامة في غير مكانها، ويتدخل في شؤون الناس الخاصة، ويوكل نفسه مسؤولًا عنهم يوم القيامة. من يفتعل الترندات، ويفبرك القصص لجذب الانتباه وإنهاك الناس في التفاصيل، من يجتر الأخطاء وينبش في الماضي لتعطيل التغيير والتقدم.
إن الفارس الحقيقي ليس من يغلب الناس بقوته؛ بل من يغلب نفسه بمروءته، من يعامل الناس بإنصاف حتى في أوقات النزاع، فإن ما يحدد سمو أخلاقك هو تعاملك مع من لا تحب، لا مع من تحب، وتصرفك مع من تخالفه الرأي، لا مع من توافقه الأفكار. هو مدى قدرتك على ضبط القيم والمبادئ، وأنت في أحلك الظروف؛ فالإنسان الأصيل هو من يتحدث دائماً بالخير عن المكان الذي أمضى فيه ليلته. ودمتم بخير يا أهل المروءة والشهامة والخلق الرفيع.
حتى لا يترجل الفارس
