شارع الضمير في حي الثغر بجدة قبل مشروعات التطوير كان ضيقاً؛ يكفي سيارة دخول وأخرى خروج، فهو شويرع بل زقاق، ولن تبالغ إذا قلت زقيّق. وهو في باطن الحي؛ كمثل الضمير في صدر ابن آدم، لا تعلم هل هو في القلب أم في الرأس، أم في الكبد أم في الرئتين أم حولهما. لكنه نافع في اختصار منعطفات طويلة في الحي؛ كمثل الضمير الذي محله في الصدر، لكنه إذا استوشك (بشوكة) يزلزل البدن من أخمص القدمين مرورًا بالركبتين والأمعاء والكبد والرئتين والقلب والرقبة والسمع والبصر، حتى فروة شعر الرأس. فكتبت مسودة مقالة برجاء توسعة هذا الممر. لكن من أي جهة؟ وحوله حوش غنم لأحد الجيران؟ وأهملت المقالة بضعة أشهر غير أنها ظهرت لي بين أوراقي ذات يوم؛ فوجدت أني وصفت هذا الزقاق بأنه شارع إستراتيجي! يا رباه. إستراتيجي دفعة واحدة؟ هل هو في وزن باب المندب؟ أم في وزن قناة السويس؟ أم في وزن مضيق هرمز؟ وكما أن جزيرة ميون في باب المندب تضيق الباب، فإن داخل مضيق هرمز”جبل الغنم” أيضا يعترض المساحة الضيقة للمضيق. تذكرت عندئذ قول ديل كارنيجي في كتاب”كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس”حين قال: إن شوكة في باطن قدم الانسان أهم عنده من مجاعة في الصين، يموت فيها نصف مليون إنسان.
وجدت هذه الصفة لابن آدم، عندما طالعت قبل عشرين سنة في كتاب اليقينيات الكبرى للدكتور الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي؛ إذ ذكر أن فينا نزعة إلى التكبر لابد من مكافحتها. أو هذا ما حفظته الذاكرة الخؤون. فقد رأى إبليس نفسه عندما أمره الله بالسجود لآدم؛ فقال: أنا خير منه. وهذه النزعة في داخلنا تحتاج إلى ضمير يردعها. فلا نتكبر على خلق الله. وكلما ابتعدنا عن الأنانية كنا أقرب إلى حسن الخلق، وهو الذي حثنا عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- حين قال أقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا. وورد في كتاب الله قوله تعالى في سورة النساء:” والصلح خير وأُحضرت الأنفس الشح” وفي سورة التغابن “ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون”.
لم يكن زقاق الضمير في حي الثغر إستراتيجيًا ولا تكتيكيًا ولا يحزنون. ولكنها مبالغة زل فيها قلمي. فكلمة إستراتيجي إنما تقال أكثر ما تقال في الحروب. وها نحن نشهد تكرار هذه الكلمة مرات كثيرة هذه الأيام، عند تناول أو تداول أنباء مضيق هرمز. وندعو الله أن تنجلي هذه الغمة وتنصلح الأحوال. وقد استفدنا من هذه الوقائع ضرورة الاهتمام بعلم الجغرافيا جنبًا إلى جنب مع الاهتمام بالعلوم البحرية، ولا نحصر تركيزنا على اليابسة فحسب. ويا أمان الخائفين.
الضمير
