مقالات الكتاب

القفز بين الوظائف.. طموح مشروع أم فخ قاتل؟

من واقع التجربة، لا شيء يثير قلق المديرين وأصحاب الشركات أكثر من أن يطالعوا سيرة ذاتية لموظف تبدو فيها محطات العمل كقائمة سريعة، لا تتجاوز كل محطة فيها ثمانية أو عشرة أشهر. هذه الظاهرة التي يظنها البعض دليل طموح، وانفتاحًا على الفرص، كثيرًا ما تتحول إلى سيف مسلط على مستقبل الموظف نفسه، لأنها ببساطة تزرع الشكوك بدل أن تمنح الثقة. أتذكر قبل سنوات طويلة، أنني جلست مع موظف في مقابلة شخصية كان قد غيّر عمله خمس مرات خلال سنتين فقط. كان يتحدث باعتداد أنه في بحث دائم عن “الأفضل”، لكنه لم يكن يدرك أنه في أعين أي مدير يوحي بصورة الموظف غير المستقر، الذي لن يستثمر في مكان واحد طويلًا، وأن الشركات عادة لا تبحث فقط عن مهارة عابرة، بل عن التزام وصبر وقدرة على الاستمرار. لماذا يقفز البعض بهذه السرعة من وظيفة إلى أخرى؟ ربما يكون الدافع إغراء مادي، أو مسمى وظيفي جديد، وربما يهرب الموظف من بيئة صعبة بدل مواجهة التحديات. وفي حالات أخرى قد يظن أن كثرة التنقل تمنحه خبرة واسعة، بينما الحقيقة أن الخبرة العميقة لا تُبنى إلا مع الزمن والتراكم والإنجاز. في النهاية، قد يجد نفسه أمام سيرة ذاتية متخمة بالمسميات، فارغة من الإنجازات المؤثرة. من زاوية المدير، الأمر لا يحتمل الكثير من المجازفة. توظيف شخص يحمل تاريخًا مليئًا بالقفزات القصيرة يعني أن احتمالية خروجه المبكر كبيرة، وهذا يعني تكلفة مضاعفة في التدريب وإعادة التوظيف وفقدان الاستقرار داخل الفريق. الالتزام في حد ذاته مهارة أساسية؛ مثلها مثل الذكاء والخبرة، ومن لا يمتلكها يصعب الوثوق به. ومع ذلك، لا يمكن التعميم المطلق. أحيانًا تكون هناك أسباب منطقية تقف وراء التنقل؛ كإغلاق شركات ناشئة، أو إعادة هيكلة مؤسساتية أو ظروف قاهرة. هنا يكون دور المدير في طرح الأسئلة الذكية: لماذا غيّرت عملك بهذه السرعة؟ وما الذي يجعلك اليوم راغبًا في الاستقرار؟ إذا وجد إجابات مقنعة مدعومة بأمثلة، فقد يكون من المنصف منحه فرصة جديدة. أما الرسالة التي ينبغي أن تصل لكل موظف، أو باحث عن عمل؛ فهي أن النجاح لا يقاس بعدد المرات التي غيّرت فيها وظيفتك، بل بمدى عمق الأثر الذي تركته حيث عملت. كثير من الشركات المرموقة تفضّل موظفًا قضى عشر سنوات في مكان واحد وبنى نتائج واضحة، على آخر جمع خمسة مسميات في الفترة نفسها دون بصمة تذكر. القفز السريع بين الوظائف قد يبدو مغريًا في بدايته، لكنه مع مرور الوقت يصبح وصمة تحول بينك وبين أبواب كثيرة؛ لذا، قبل أن تتخذ قرارك بالانتقال مرة أخرى، اسأل نفسك: هل أبحث عن فرصة حقيقية للبناء، أم مجرد محطة جديدة أضيفها إلى قائمة لا تنتهي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *