مقالات الكتاب

 جدة.. حاضنة المدائن ومرفأ القلوب

د. أحمد حسن الخضير

ثمة مدنٌ تُبنى من صخر، ومدنٌ تُشاد من سيرة، أما”جدة” فهي مدينةٌ عُجنت من ماء التاريخ، وطين الذاكرة. هي المدينة التي استعصت على قذع الواصفين، واستعلت على عتب الشعراء؛ لتبقى في وجدان محبيها، كما وصفها رائد التجديد حمزة شحاتة:” الرؤى فيها حالمٌ ما يفيق”، وكأنها في حالة ذهولٍ أبدي أمام بحرٍ لا يشيخ، يغسل أقدامها كل صباح ليمحو عنها عناء السنين.

لقد توقف الكثير من النقاد والمؤرخون طويلاً عند بيت الشاعر بديوي الوقداني الشهير:« علّ الحيا ما يجي جدة.. لو ربعت كل الأوطان»، وهو بيتٌ طار به الركبان، واستقر في الذاكرة الشعبية، لكنه في حقيقته لم يكن هجاءً للمكان أو جحوداً لفضله، بقدر ما كان زفرة عتبٍ حارة ووجداً على تبدل أحوال النفوس، وضياع قيم الوفاء، التي كانت تزدان بها حاراتها القديمة. ولكن جدة، بروحها الصبورة والواسعة، كانت وما زالت ترد على هذا العتب بفيضٍ من الاحتواء، وتثبت أن الحيا (المطر) يسكن قلوب أهلها قبل أن يهطل على شوارعها. فإذا كانت القدس هي “زهرة المدائن” بقدسيتها وجلالها، فإن جدة هي”حاضنة المدائن” بعراقتها وإنسانيتها الممتدة.

إن وصف جدة بـ “حاضنة المدائن” ليس مجرد ترفٍ لغوي، أو تدبيجٍ إنشائي، بل هو استحقاقٌ تاريخي وجغرافي نابع من دورها الكوني؛ كبوابة للحرمين الشريفين. هي المدينة التي فتحت ذراعيها لآلاف السنين؛ لتكون “الحضن” الأول لوفود الرحمن القادمين من كل فج عميق.

في أزقتها العتيقة، وبين جنبات مينائها العريق، انصهرت أعراق البشر، وتمازجت ثقافات الشعوب، وتآلفت لغات الأمم، فأعادت جدة صياغة هذا المزيج البشري الهائل بروحٍ “جداوية” خالصة، تسمو بالقبول وتزدان بالتسامح، حتى صار الغريب فيها ينسى غربته بمجرد أن يستنشق نسيمها العليل.

لقد ارتبط اسم هذه المدينة بالجدة الأولى “حواء”، في رمزية باذخة تدل على الأمومة والبدء. وهي بالفعل الأم الحنون التي لا تضيق بضيوفها مهما كثروا، تستقبل الغريب فيغدو في لمحة بصر قريباً، وتستضيف المسافر فيجد فيها مستقراً ومقاماً. إنها بوابة شعورية وجدانية نمرّ عبرها لنغتسل من عناء الرحلة وشوائب الدنيا، قبل أن نتشرف بالوقوف في رحاب مكة الطاهرة؛ فجدة هي التمهيد الروحي الذي يسبق الوصول إلى الغاية الكبرى.

وفي ظل النهضة التنموية الشاملة التي تشهدها مملكتنا الغالية، تتجلى جدة اليوم كلوحة تجمع بين عبق الماضي التليد وطموح المستقبل المتجدد، وهي لا تزال تفتح ذراعيها لمشاريع التطوير الكبرى التي تجعل منها مرفأً عالمياً رائداً.

ومن هنا، فإنني أضع بين يدي معالي أمين محافظة جدة والمسؤولين في الأمانة، مقترحاً جاداً بأن يتم تبني لقب (حاضنة المدائن) كمسمى رسمي، أو شعار ثقافي وسياحي يضاف إلى ألقاب جدة العريقة؛ ليكون تعبيراً دقيقاً عن هويتها الجامعة وبوابتها التي احتضنت حضارات العالم وقلوب القاصدين لقرون طويلة.

ستبقى جدة هي “حاضنة المدائن” التي تمنحنا في كل يوم زاوية جديدة للرؤية، وتؤكد لنا بلسان حالها أن المدن العظيمة ليست تلك التي نسكنها بجوارحنا فحسب، بل هي تلك التي تسكننا بتفاصيلها، وتظل أحلامنا على شواطئها دائماً وأبداً “حالمةً لا تفيق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *