مقالات الكتاب

«المشروع الرياضي».. من صناعة الترفيه لهندسة الهيمنة

لم تعد الرياضة في المملكة مجرد نشاط جماهيري، بل تحولت إلى مشروع سيادي متكامل، ضمن رؤية السعودية 2030. مشروع لا يكتفي بالمشاركة، بل يعيد تشكيل خريطة التأثير الرياضي عالميًا. الأرقام هنا لا تُجامل؛ إذ تتجلى استثمارات بمليارات الريالات في الأندية والبنية التحتية، إلى جانب تضاعف القيمة السوقية للدوري السعودي للمحترفين، واستقطاب أسماء عالمية؛ غيرت ميزان القوة الإعلامي والاقتصادي للدوريات، غير أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تُقاس فقط بالنجوم، بل بقدرة المنظومة على إعادة بناء الأندية المنهارة وتحويلها إلى قصص نجاح، وهنا يظهر اسم النادي الأهلي السعودي، ليس كنادٍ عريق فحسب، بل كأحد أعنف نماذج “التحول الرياضي” في المنطقة.
في عام 2022، هبط الأهلي إلى دوري الدرجة الأولى في صدمة تاريخية، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد عودة، بل إعادة هندسة كاملة للنادي، حيث تُوّج في 2023 بلقب دوري يلو، وصعد مباشرة إلى المحترفين، ثم نجح في 2024 في تثبيت أقدامه ضمن الكبار، قبل أن يحقق في 2025 إنجازًا قاريًا ضخمًا بالتتويج بدوري أبطال آسيا للنخبة، وهو تسلسل غير طبيعي في كرة القدم، ويعكس تدخلًا مؤسسيًا عالي الكفاءة.
وفي موسم 2024–2025، قدم الأهلي نموذجًا مزدوجًا محليًا وقاريًا، حيث تُوّج بطلًا لآسيا للنخبة، واحتل المركز الخامس في الدوري السعودي، وسجل هدافه إيفان توني 30 هدفًا، مع متوسط حضور جماهيري تجاوز 20 ألف متفرج، ووصول الحضور في إحدى المباريات إلى أكثر من 58 ألف مشجع، وهي أرقام تعني أن الأهلي لم يعد مجرد فريق، بل تحول إلى منتج جماهيري واستثماري.
هذا التحول لم يكن فنيًا فقط، بل شمل بنية النادي بالكامل، من إدارة احترافية، إلى تعاقدات عالمية؛ مثل رياض محرز وإيفان توني، مرورًا بمدرب أوروبي بمنهجية واضحة، وصولًا إلى إعادة بناء الهوية التسويقية للنادي، بما يتماشى مع فلسفة المشروع الرياضي السعودي؛ الهادفة إلى تحويل الأندية إلى كيانات اقتصادية قادرة على المنافسة عالميًا- لا محليًا فقط.
المشروع الرياضي السعودي لم يعد يصنع فرقًا تنافس فحسب، بل يصنع دوريات تُقلق أوروبا، ويبرز الأهلي مثالًا صريحًا على ذلك؛ إذ هبط ثم عاد، وعاد ثم نافس، ونافس ثم حقق بطولة قارية، وهو مسار لا يمكن اعتباره طفرة، بل نموذجًا قابلًا للتكرار.
ما يحدث اليوم في الرياضة السعودية ليس تطورًا تدريجيًا، بل قفزة حضارية مدروسة، وإذا كان البعض لا يزال ينظر إلى الأندية ككيانات رياضية فقط، فإن الأهلي يقدّم تعريفًا جديدًا؛ مفاده أن ناديًا قد يسقط، لكنه لا يمكن أن يُهزم إذا كان خلفه مشروع دولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *