أعلنت جامعة الملك سعود في قرار أكاديمي إلغاء السنة التحضيرية في جميع تخصصات الجامعة، كما شمل القرار إلغاء كافة البرامج في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، شملت برامج اللغة العربية، والتاريخ والجغرافيا، وعلم الاجتماع، في خطوة تستهدف إعادة هيكلة البرامج الأكاديمية وتعزيز كفاءتها، وأوضحت الجامعة أن ذلك يأتي في إطار مراجعة شاملة للبرامج الأكاديمية، بما يسهم في رفع جودة المخرجات التعليمية؛ فالعلوم الإنسانية ليست مجرد مواد نظرية أو ترف ثقافي ، بل هي أدوات لفهم الإنسان وسلوكه، وتفسير الظواهر الاجتماعية، وبناء منظومة قيمية متماسكة من دونها، يصبح التعليم مجرد تدريب تقني يفتقر إلى البعد الأخلاقي والنقدي. إن الاقتصار على التخصصات العلمية والتقنية وحدها يهدد بإنتاج أجيال تمتلك المهارة، لكنها تفتقر إلى الحكمة؛ فالمهندس أو الطبيب أو المبرمج يحتاج إلى جانب معرفته التخصصية، إلى قدرة على التفكير النقدي، والتواصل، وفهم السياقات الثقافية والاجتماعية التي يعمل ضمنها وهذه المهارات تُصقل أساسًا من خلال دراسة العلوم الإنسانية.
علاوة على ذلك، تلعب التخصصات الأدبية دورًا مهمًا في الحفاظ على الهوية الثقافية واللغة، وفي تعزيز الإبداع والتعبير الفني؛ فالأدب ليس فقط وسيلة للمتعة، بل هو مرآة تعكس قضايا المجتمع، ومنصة لطرح الأسئلة الكبرى حول الوجود والعدالة والحرية. إن إلغاء هذه التخصصات، أو تهميشها لا يعني فقط فقدان مواد دراسية، بل خسارة مساحة للتفكير الحر والحوار والتنوع الفكري. والمجتمعات التي تهمل هذا الجانب، قد تحقق تقدمًا ماديًا، لكنها تخاطر بفقدان توازنها الإنساني. الحل لا يكمن في إلغاء العلوم الإنسانية، بل في تطويرها وربطها بواقع العصر، ودمجها مع التخصصات الأخرى في إطار تعليم متعدد التخصصات؛ فالعالم اليوم بحاجة إلى إنسان يفكر بعمق، لا مجرد آلة تعمل بكفاءة.
في الختام، ليست العلوم الإنسانية ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل هي صمام أمان للمجتمعات، تحفظ توازنها وتوجّه مسيرتها. فهي التي تغرس القيم، وتنمّي الوعي، وتعزّز القدرة على الحوار وفهم الآخر. ومن دونها، يفقد التقدّم معناه، وتصبح المعرفة بلا روح؛ لذا فإن الحفاظ على هذه العلوم ودعمها هو في جوهره حفاظ على إنسانية الإنسان واستقرار المجتمع.
drsalem30267810@
