برحيل الدكتور سعيد السريحي، تفقد الساحة الثقافية السعودية أحد أبرز رموزها الفكرية، وأحد الأصوات التي لم تكن مجرد صدى للمعرفة، بل كانت مشروعًا نقديًا قائمًا بذاته، حمل همّ الثقافة، وانشغل بأسئلة الإنسان، والمعرفة، والحرية، والجمال.
لم يكن الدكتور سعيد السريحي مجرد أكاديمي يؤدي دورًا وظيفيًا داخل أسوار الجامعة، بل كان مثقفًا عضويًا بالمعنى الحقيقي، منحازًا للفكر، ومدافعًا عن قيمة السؤال، ومؤمنًا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية تحفظ للمجتمع وعيه وتوازنه. وقد شكّل حضوره في المشهد الثقافي علامة فارقة؛ سواء من خلال كتاباته النقدية، أو مقالاته الصحفية، أو مشاركاته في الندوات والحوارات التي كانت تثري العقل، وتفتح آفاق التأمل.
تميّز السريحي بأسلوبه العميق، ولغته الرصينة، وقدرته على تفكيك النصوص والأفكار، دون أن يفقد حسّه الإنساني أو تواضعه الفكري. كان يرى في الأدب مرآة للإنسان، وفي النقد وسيلة للفهم، لا للهدم. ولذلك، ظل وفيًا لمشروعه الفكري، متحررًا من المجاملات، صادقًا مع قناعاته، ثابتًا على مبادئه.
لقد كان الراحل شاهدًا على تحولات ثقافية كبرى، ومساهمًا في تشكيل الوعي النقدي الحديث في المملكة، ومصدر إلهامٍ لجيلٍ كاملٍ من المثقفين والطلبة والقرّاء، الذين وجدوا في فكره مساحةً للتأمل، وفي حضوره مثالًا للمثقف المسؤول.
إن رحيل الدكتور سعيد السريحي ليس مجرد غياب شخص، بل غياب مرحلةٍ من الوعي، وصوتٍ من أصوات الحكمة التي كانت تذكّرنا دائمًا بأن الثقافة موقف، وأن الفكر مسؤولية، وأن الكلمة أمانة.
رحل الجسد، وبقي الأثر. وبقيت كلماته شاهدةً عليه، حيّةً في العقول، نابضةً في الذاكرة.
رحم الله الدكتور سعيد السريحي، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الثقافة وأهلها خير الجزاء.
جلال عبدالرحمن الخطيب
Jak.khatja@gmail.com
