يمرّ العديد من الأفراد بلحظة يكتشفون فيها أن ما استهلك طاقتهم فعلًا، لم يكن السعي أو الطموح، بل الانتباه المستمر لمسارات الآخرين والمقارنة، فالمقارنة التي قد تبدو في ظاهرها حافزًا، تتحوّل تدريجيًا إلى ضغط داخلي يربك الإحساس بالقيمة، ويزرع القلق في عقل الفرد، وعند هذه النقطة يتكوّن وعي جديد؛ مفاده أن التقدّم ليس تجربة واحدة للجميع، وأن لكل فرد طريقه وإيقاعه الخاص.
ولا سيما أن الخروج من دائرة المنافسة لا يعني التراجع أو الاكتفاء؛ بل يعني إعادة توجيه البوصلة إلى الداخل، وحين يقرّرالفرد أن تكون علاقته الأساسية مع نموّه الشخصي، تتغيّر نظرته للنجاح. ولن يعد إنجاز الآخرين تهديدًا خفيًا، بل واقعًا مستقلًا لا ينتقص من مكانته، ولا يؤخّر رحلة تقدمه في مجالاته.
ويعتقد بعض الأفراد أن الفرص أمامهم محدودة، وأن الضوء لا يكفي للجميع ومنصة النجاح محدودة، لكن هذا الاعتقاد هو ما يغذّي الخوف والمقارنة، وتكمن الحقيقة في أن ما يحققه شخص ما يسحب من غيره بساط النجاح، وأن ما كُتب للفرد سيجده في وقته المناسب، والفارق الحقيقي ليس في السرعة، بل في الوعي الذي يصاحب الطريق.
وعندما يتحرّر الأفراد من ضغط المقارنة، يصبح التقدّم أكثر هدوءًا واتزانًا، ولا يعود الإنجاز مرتبطًا بالمظاهر، أو الاعتراف الخارجي، بل بالتحوّل الداخلي الذي يحدث بصمت وكل خطوة صغيرة تحمل قيمة، لأنها تعبّر عن نضج، الفرد وشجاعته وقدرته على اتخاذ القرارات؛ ليكون أكثر انسجامًا مع الذات.
وهذا التحوّل ينعكس على الصحة النفسية للأفراد- بلا شك- ويخفف وتيرة القلق، كما أن التوتر الناتج عن الشعور الدائم بالتأخّر يتلاشى، ويحلّ مكانه شعور بالثقة في المسار الشخصي ومع مرور الوقت، يصبح نجاح الآخرين مصدر إلهام، بدلًا من أن يكون سببًا للإحباط أو الشك في الذات.
وعلاوة على هذا يجب أن يدرك الأفراد أن الخروج من المنافسة ليس هروبًا من الحياة؛ بل عودة صادقة إليها. هو اختيار أن يعيش الإنسان رحلته بوعي، دون استنزاف نفسه في سباقات لا تشبهه، وأن يؤمن بأن المنافسة الوحيدة ذات المعنى الحقيقي، هي تلك التي تجعله يتنافس مع ذاته وأقرب إلى نفسه، وأكثر اتزانًا مع كل مرحلة جديدة.
fatimah_nahar@
