تتكون شخصية كل فرد من أفراد المجتمع من خلال السلوكيات، التي تنقسم إلى السلوكيات الذاتيه والمكتسبة، يلجأ إليه الفرد إلى هذا السلوك حين لا يجد مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره، أو حين يعتقد أن الصمت هو الخيار الأقل كلفة. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الكتمان إلى نمط داخلي يؤثر في وعي الإنسان بذاته وقدرته على فهم احتياجاته النفسية والتعامل معها بوعي واتزان، إلا وهو كتمان القهر.
ويرتبط كتمان القهر بضعف مهارة التعبير الانفعالي، حينما يتعلم الفرد أن يتجاوز مشاعره بدل معالجتها. هذا التجاوز لا يعني النضج التام بكيفية معالجتها لاحقًا، وهذا يؤدي إلى انفصال داخلي يجعل الإنسان غير قادر على تحديد مصادر ضيقة، أو وضع حدود صحية في علاقاته. فالصمت المتكرر يعلّم النفس التجاهل، لا الحكمة.
بلا شك أن تراكم القهر المكبوت ينعكس تدريجيًا على السلوك اليومي لدى الأفراد؛ فيظهر على شكل توتر دائم، أو تشتت ذهني وانخفاض في الدافعية، أو ردود فعل مبالغ فيها تجاه المواقف البسيطة، وهذه المظاهر لا تُفسر على أنها ضعف في الشخصية؛ بل نتيجة طبيعية لمشاعر لم يُسمح لها بأن تُفهم وتُعبّر بطريقة واعية.
ويكمن التطوير الحقيقي حين يدرك الفرد أن التعبير عن المشاعر مهارة قابلة للتعلّم، وليست تهديدًا للاستقرار كما أن تسمية الشعور وفهم سببه، ثم اختيار طريقة مناسبة للتعبيرعنه، خطوات أساسية لبناء توازن نفسي صحي؛ فالتعبير الواعي لا يُربك العلاقة بين الفرد وذاته، بل يحميها من التراكم والانفجار.
إن تحرير النفس من كتمان القهر يعزز الوعي الذاتي، ويقوّي القدرة على اتخاذ قرارات متزنة. فالفرد الذي يصغي لمشاعره ويتعامل معها بوعي، يصبح أكثر قدرة على التكيف مع الضغوط وأكثر سلامًا مع ذاته. وهنا يتحقق مفهوم الانسجام الحقيقي مع الذات” أن نعلّم أنفسنا كيفية معايشة مشاعرنا دون أن نُؤذي بها أنفسنا أو الآخرين”.
fatimah_nahar@
