لم يكن اجتماع طهران بالأمس حدثًا عاديًا في توقيته أو مكان انعقاده أو مستوى المشاركين فيه؛ فأن يجتمع وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، مع كبار المسؤولين الإيرانيين في العاصمة الإيرانية، فذلك مشهد استثنائي لم يكن متوقعًا، خصوصًا في ظل احتمالات المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
ولعل أهمية الاجتماع تكمن في مجرد انعقاده، قبل البحث في مضامينه ونتائجه؛ فطهران التي تواجه ضغوطًا عسكرية وسياسية متصاعدة، تستقبل مسؤولين رفيعي المستوى من ثلاث قوى إقليمية مؤثرة.
فلماذا طهران؟ ولماذا الآن؟ وماذا تريد إيران من هذا الاجتماع؟
أولًا: الأمن الإقليمي.. اختلاف في المفهوم والأهداف
لعل المفتاح الأهم لفهم الاجتماع يكمن في الطرح الإيراني الداعي إلى بناء منظومة أمنية إقليمية تتولى دول المنطقة مسؤوليتها بعيدًا عن التدخلات الخارجية، والمقصود بها أساسًا الوجود الأمريكي والتدخل الإسرائيلي.
لكن كيف تطالب إيران بإبعاد القوى الخارجية، بينما ظلت طرفًا رئيسًا في أزمات المنطقة عبر نفوذها العسكري والسياسي والجماعات المسلحة المرتبطة بها؟
وكيف يمكن الحديث عن أمن إقليمي مستقر بينما يظل مضيق هرمز حاضرًا في حسابات الضغط والتهديد؟
إن مفهوم الأمن لدى طهران يرتبط بنفوذها الإقليمي وقدرتها على التأثير وتصدير أيديولوجيتها، بينما تنظر المملكة ودول الخليج إليه من زاوية السيادة والاستقرار وحماية المصالح الوطنية.
وهذا اختلاف جوهري لا تخفيه العبارات الدبلوماسية.
ثانيًا: المشاركة السعودية.. حسابات المصالح لا الثقة
تمثل المشاركة السعودية العنصر الأكثر إثارة في الاجتماع؛ فالمملكة تعرف إيران جيدًا، وتعرف تاريخ سياساتها وأساليبها في التفاوض وإدارة الأزمات، وقد خبرت معها ما يجعل الثقة السياسية أمرًا لا تمنحه لمجرد تغير الخطاب.
لكن الدول لا تدير علاقاتها بالعواطف، ولا تشترط الثقة الكاملة للتفاوض؛ بل إن شبه انعدام الثقة قد يكون أحد أقوى أسباب الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ومن هنا، فإن وجود وزير الدفاع في طهران لا يعني تبدلًا في تقييم المملكة للسياسة الإيرانية، وإنما يعكس إدراكًا لخطورة المرحلة، وضرورة التعامل المباشر مع مصادر التهديد.
فالرياض تدرك أن الحرب الواسعة لن تبقى محصورة داخل إيران، وأن تداعياتها قد تطال أمن الخليج والملاحة الدولية وأسواق الطاقة والمنشآت الحيوية.
وربما كانت الرسالة السعودية الأبرز:
«لسنا طرفًا في هذه الحرب، ولا نريد أن نكون طرفًا فيها، لكننا لن نقبل أن تتحول أراضينا ومصالحنا إلى ساحات لها».
ثالثًا: باكستان وتركيا.. التقاء المصالح واختلاف الحسابات
تخشى تركيا تداعيات انهيار الاستقرار الإيراني على حدودها وتوازناتها الإقليمية، بينما تنظر باكستان إلى الأزمة من زاوية أمن حدودها الغربية وحساباتها الإستراتيجية.
أما المملكة، فترتبط حساباتها مباشرة بأمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة وحماية المنشآت الحيوية.
وتلتقي الدول الثلاث عند مصلحة كبرى تتمثل في تجنب انفجار إقليمي واسع، وإن اختلفت رؤاها لمستقبل إيران والترتيبات الأمنية المطلوبة.
ويمنح ارتباط الدول الثلاث باتفاقية مكة للدفاع المشترك هذا الاجتماع دلالة أمنية إضافية، تتجاوز حدود الحراك الدبلوماسي التقليدي.
رابعًا: ماذا أرادت طهران؟ وماذا حققت؟
قد تكون إيران أرادت من الاجتماع مكسبًا سياسيًا يتجاوز نتائجه المباشرة؛ فاستقبال مسؤولين بهذا المستوى يمنحها فرصة لتقديم نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في ترتيبات أمن المنطقة.
وربما سعت إلى توظيف المخاوف المشتركة من الحرب لتشكيل موقف إقليمي يدفع نحو الحلول الدبلوماسية، ويقلص احتمالات الضربة العسكرية.
لكن ذلك لا يعني أن الدول المشاركة تبنت الرؤية الإيرانية، أو قبلت بشروطها.
ومن المهم هنا التمييز بين ما قد تكون طهران أرادته، وما تكشفه المخرجات المعلنة فعلًا.
فلا يصح تصوير الاجتماع باعتباره إنذارًا أخيرًا لإيران، أو الجزم بأنه تناول نقل اليورانيوم المخصب إلى باكستان، أو فرض إشراف دولي شامل على البرنامج الصاروخي الإيراني؛ فهذه استنتاجات لا تثبتها المعلومات المعلنة.
خامسًا: الدبلوماسية في مواجهة احتمالات الحرب
قد يفتح الاجتماع مسارات جديدة للتهدئة، أو يعزز الوساطات القائمة، لكنه لا يضمن منع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية المحتملة مع إيران.
فالمشهد تحكمه حسابات عسكرية معقدة، تتداخل فيها البرامج النووية والصاروخية وأمن الممرات البحرية والنفوذ الإقليمي.
وقد تتبدد نتائج أي تحرك دبلوماسي إذا اندفعت التطورات نحو مواجهة عسكرية واسعة.
ولهذا، فإن نجاح الاجتماع لا يقاس بعبارات التفاؤل، وإنما بما يترتب عليه من تغيرات فعلية في السلوك الإيراني.
سادسًا: اليمن ولبنان والعراق وفلسطين.. دلالة الحضور والغياب
من اللافت في المخرجات والتصريحات الظاهرة لاجتماع طهران غياب الإشارة الواضحة إلى الملف اليمني، رغم أهميته البالغة في العلاقات السعودية الإيرانية، وما يمثله من أحد أبرز ملفات الخلاف بين البلدين.
وهذا الغياب، في تقديري، ليس بالضرورة أمرًا عابرًا، بل قد يحمل دلالات سياسية تستحق التأمل.
فالعنوان الرئيس للاجتماع كان خفض التصعيد ومنع اتساع المواجهة العسكرية، بينما يمثل الملف اليمني نقطة خلاف جوهرية، لا نقطة التقاء، بين الرياض وطهران. وربما رأت الأطراف أن فتحه سيصرف الاجتماع عن هدفه المباشر، أو يضعه أمام تعقيدات يصعب تجاوزها.
كما لا يُستبعد أن تكون طهران قد أدركت محدودية فرص نجاح ما سبق أن طرحته من وساطة بين المملكة والحوثيين؛ فإيران، التي ارتبطت بدعم الجماعة، لا تستطيع بسهولة إقناع الرياض بأنها طرف محايد يصلح للوساطة.
وهناك احتمال آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن إيران، تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية المتصاعدة، قد تكون مستعدة لإظهار مرونة واسعة في الملف اليمني، تصل إلى حد الإيحاء بإمكان التخلي عن الحوثيين، أو تقليص دعمهم، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولًا إستراتيجيًا حقيقيًا في سياستها.
وقد تستهدف مثل هذه المرونة- إن ظهرت- تخفيف الضغوط عن الجماعة، ومنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفها، أكثر مما تستهدف إنهاء التهديدات التي تمثلها.
وهكذا، فإن غياب اليمن عن الخطاب الظاهر للاجتماع قد يكون أكثر دلالة من حضوره؛ لأنه يكشف حدود التفاهم الممكن بين أطراف اجتمعت لتجنب الحرب، لا لتسوية جميع خلافاتها.
أما لبنان والعراق وفلسطين، فمن المحتمل أن تكون طهران قد رغبت في إدخالها ضمن مباحثات الأمن الإقليمي، أو توظيف بعضها أوراقًا تفاوضية، غير أن ما ظهر من المخرجات لا يكفي لإثبات نجاحها في ذلك.
وتظل فلسطين قضية عربية وإسلامية مركزية، لا يمكن اختزالها في الحسابات الإيرانية، أو جعل حقوق شعبها موضوعًا للمساومة.
فليس كل ما تريد طهران طرحه على طاولة التفاوض قابلًا لأن يتحول إلى تفاهم، وليس كل ما يغيب عن البيانات غائبًا بالضرورة عن الحسابات السياسية.
أخيرًا: اجتماع ضرورة لا اجتماع ثقة
في تقديري، لم يكن اجتماع طهران اجتماع ثقة، وإنما اجتماع ضرورة، فرضته مخاوف مشتركة من مستقبل إقليمي بالغ الخطورة.
فقد التقت الأطراف على ضرورة منع اتساع المواجهة، دون أن يعني ذلك اتفاقها على مصادر التهديد أو مستقبل الترتيبات الأمنية.
وربما راهنت طهران على تحويل مخاوف الآخرين من الحرب إلى ورقة تفاوضية لصالحها.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
هل كانت إيران تبحث عن أمن المنطقة، أم عن أمنها هي من خلال المنطقة؟
وهل أرادت تغيير سلوكها، أم تغيير الظروف المحيطة بها لتستمر في السلوك نفسه؟
قد لا تكشف التصريحات الرسمية الإجابة، لكن التطورات القادمة ستكون أقدر على ذلك.
فاجتماع طهران استثنائي في شكله وتوقيته، أما قيمته الحقيقية فستحددها الأفعال، لا الكلمات.
محمد عبده الكناني
@Maaken3
إعلامي سعودي أدار ورأس تحرير العديد من الصحف والمجلات السعودية
