أحياناً لا تحتاج الحقيقة إلى خطيب مفوّه، ولا إلى محلل سياسي بارع، بل يكفي أن ينطق بها إنسان موجوع لتسقط أمامها أقنعة الشعارات! وهذا ما شعرت به، وأنا أستمع إلى شاب يمني يتحدث بحرقة عن وطن أنهكته الصراعات، وعن شعب أضناه الجوع والفقر والمرض، حتى أصبحت أبسط مقومات الحياة أحلاماً بعيدة المنال.
كان حديثه صرخة ألم، لا مجرد شكوى! تحدث عن معاناة اليمنيين مع ميليشيا الحوثي الإرهابية، وعن خطابها الذي يحمّل المملكة العربية السعودية مسؤولية دمار اليمن، ثم طرح مفارقة تستحق أن نتوقف أمامها طويلاً: كيف يُصوَّر هذا الإرهابي بلداً بأنه عدو لليمن، بينما يعيش ويعمل فيه ملايين اليمنيين، ويعتمد كثير من أهلهم على ما يرسلونه من أرزاقهم؟!
وهنا أقول: إن الاتهامات السياسية لا تُفنَّد بالصراخ، وإنما بالحقائق والأرقام، والتاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بما تثبته الوقائع!
فوفقاً لما نشرته وكالة الأنباء السعودية في فبراير 2026، يوجد نحو مليوني يمني في المملكة، يحوّلون إلى وطنهم قرابة أربعة مليارات دولار سنوياً! أربعة مليارات تسهم في إعالة الأسر وتحريك الأسواق وتخفيف وطأة الفقر! فهل هذه لغة عداوة، أم صورة من صور الترابط الإنساني والاقتصادي بين شعبين شقيقين؟!
ولنترك المشاعر جانباً، ونتحدث بلغة الأرقام أيضاً؛ فقد بلغت مشروعات مركز الملك سلمان للإغاثة في اليمن 1230 مشروعاً، بتكلفة قاربت أربعة مليارات وثمانمائة مليون دولار، شملت الغذاء والصحة والتعليم والمياه والحماية وغيرها من الاحتياجات الإنسانية!
وفي يناير 2026، أعلنت المملكة حزمة جديدة من 28 مشروعاً ومبادرة تنموية بقيمة 1.9 مليار ريال، ثم قدمت في مارس دعماً إضافياً بقيمة 1.3 مليار ريال؛ للمساهمة في تغطية الرواتب والنفقات التشغيلية للحكومة اليمنية.
هذه ليست عبارات إنشائية، وإنما أرقام منشورة ومشروعات يمكن تتبعها ومساءلة الجهات القائمة عليها عن نتائجها! وفي المقابل، ماذا تقول الأرقام عن مأساة اليمن؟ تقول الأمم المتحدة: إن أكثر من 22 مليون إنسان يحتاجون إلى المساعدة والحماية خلال عام 2026، وإن 18.3 مليون يواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وأكثر من مليوني طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد!
أي كارثة أشد من أن يصبح الجوع رفيق الطفولة، والمرض ضيف البيوت، والخوف ميراث الأجيال؟!
ثم تأتي التقارير الأممية لتوثق احتجاز سلطات الحوثيين موظفين تابعين للأمم المتحدة، والاستيلاء على ممتلكات أممية، وعرقلة إيصال المساعدات في مناطق سيطرتها. فكيف يستقيم الحديث عن نصرة الشعب، بينما تتعرض المؤسسات التي تسعى لإنقاذه لمثل هذه الممارسات؟!
إن انتقاد هذه الممارسات لا يعني تجاهل مسؤوليات بقية أطراف الصراع، ولا إنكار ما أصاب المدنيين من أضرار جسيمة طوال سنوات الحرب. لكن تعقيدات الأزمة لا تمنح الحوثيين حصانة من المساءلة، ولا تجعل من خطاب تحميل السعودية كل مصائب اليمن بديلاً عن مواجهة الحقائق.
إن المملكة واليمن ليسا مجرد حدود على الخريطة؛ إنهما تاريخ وقربى ومصير مشترك. وما يحتاجه اليمن اليوم ليس مزيداً من التحريض، بل سلام يعيد للدولة مؤسساتها، وللإنسان كرامته، وللأطفال مستقبلهم.
وأقولها بألم: كفى استنزافاً لليمن باسم اليمن! وكفى شعارات لا تُطعم جائعاً، ولا تعالج مريضاً، ولا تعيد طفلاً إلى مدرسته!
إن مايقوم به الحوثيون في اليمن وما جاورها، إنما هو إفساد في الأرض، والمفسدون في الأرض توعدهم الله بالخزي في الدنيا والآخرة. أعمال الحوثيين تجردت من الدين والإنسانية، ولم ولن ترعى إلاً ولا ذمة، والعياذ بالله منهم ومن أعمالهم!!
وكأنما هذه سنة الله في الكون؛ ففي كل حقبة زمنية تظهر فئة ضالة مشوهة الروح والنفس سوداء القلوب تمتلئ حقداً وحسداً، هم بمثابة فيروسات الأمم؛ لتكون أداة في يد الشيطان تنفذ أجندته، وتسعى لتحقيق أهدافه، لكن هيهات لهم أن ينجحوا في مسعاهم الخبيث؛ فالمجتمعات- إلى حد بعيد- أصبحت أكثر وعياً وحرصاً على أوطانها من الضياع والدمار.
والشعب اليمني شعب واعٍ مفكر أديب أريب، يدرك الخطر المحدق به، وكل كلمة قالها هذا الشاب في الفيديو حري بكل يمني حر أن يسمعها؛ فهي نداء له وللمجتمع الدولي والعربي والمسلم، يصور الحوثيين على حقيقتهم الإرهابية؛ فالإرهابي لا يهمه الإعمار وحفظ النفوس والأعراض والمقدرات؛ إنما يسعى للتدمير والتجويع والإضرار فقط.
اللهم احفظ اليمن وأهله، ودمر المفسدين في كل مكان، وأعد لليمن وأهله وكل المظلومين الأمن والسلام.
اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً ونصراً، وزدنا بها عشقاً وفخراً وولاءً. اللهم احفظ السعودية وشعبها وقيادتها ومقدراتها من كل مكروه، واجعل تدمير من أرادها بسوء في تدبيره يارب العالمين.
اليمن الجريح.. حين تكذب الأرقام خطاب العداء!
