مقالات الكتاب

موطن العزة والأصالة

 

بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود

 

فإنّا دولةٌ عظيمةُ الشأن، راسخةُ البنيان، ثابتةُ الأركان؛ لها من المجد أصلٌ، ومن التاريخ فصلٌ، ومن العزم نصلٌ، لا نُقدِمُ إقدامَ الغافلين، ولا نُحجمُ إحجامَ العاجزين؛ بل نزنُ الخطوةَ قبل أن نخطوها، ونقدّرُ العاقبةَ قبل أن نبلغَ مداها، ونعرفُ للرجل موضعَ قدمه قبل أن يضعها.

وقد أكرمَ اللهُ هذه الديارَ ببيته الحرام، وشرفَ ثراها بمثوىٰ خير الأنام، سيدنا محمد، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام؛ فكان لها من حرمة المكان ما يصون، ومن شرف المقام ما يَرفع، ومن عناية الله ما يحفظ ويمنع، فما ضرّ جبلاً عاتٍ عواءُ ذئب، ولا أضعفَ حصناً راسخاً تكالبُ ضبع؛ وإنما العواءُ صوتٌ، والتكالبُ جمعٌ، وليس الصوتُ بقوة، ولا الكثرةُ بحقٍّ إن خلا القلبُ من الحجة، واليدُ من القدرة.

فليعلُ صخبُ الصارخين ما شاء، وليغْلِ في الصدور غيظُ الحاقدين، وليتحرّك في النفوس داءُ الحسد؛ فإن للحقِّ سكينةً لا تضطرب، وللثابتِ قدماً لا تنزلق، وللدولةِ الراسخةِ شأناً لا تنقضه ألسنةُ الناعقين، نحن قومٌ لا تُغريهم العجلة، ولا تُخيفهم الجلبة؛ نُبصرُ قبل أن نُبادر، ونقدّرُ قبل أن نُقرّر، فإذا عزمنا لم تُثنِنا عارضة، وإذا صبرنا لم يُحسب صبرُنا عجزاً، وإذا نطقنا كان للكلمة وزنُها، وللصمتِ عندنا معناه. فالجبالُ لا تجيبُ العواء، والبحارُ لا تستأذنُ الرياح، والدولُ العظامُ لا تُعرَفُ عند الرخاء، وإنما تُعرَفُ عند اشتداد البلاء، حين تضيقُ المسالك، وتكثرُ المهالك، ويظهرُ من ثبتَ ممن هلك، وليس مجدُنا مما يُستعار، ولا مقامُنا مما يُشترىٰ، ولا عزُّنا مما تمنحه ألسنةُ الناس أو تمنعه؛ وإنما هو تاريخٌ تشهدُ به الأيام، ومكانٌ شرّفه ربُّ الأنام، وعزمٌ تعرفه المواقفُ حين تعظمُ المواقف.

فدعوا أهلَ الضجيج لضجيجهم، وأهلَ الحسد لحسدهم، وأهلَ العواء لعوائهم؛ أما نحن، فنعرفُ قدرَنا، ونحفظُ عهدَنا، ونمضي في سبيلنا علىٰ بصيرةٍ من أمرنا، فإن سكتنا، فليس السكوتُ وهنًا؛ وإن صبرنا، فليس الصبرُ خوفًا؛ وإن أقدمنا، فليس الإقدامُ طيشًا، ولكنها دولةٌ تعرفُ متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تمضي، ومتى تقف؛ دولةٌ إذا قالت فعلت، وإذا وعدت وفَت، وإذا عاهدت لم تخن، وإذا عرفت طريقها لم تلتفت إلىٰ عواء الطريق.

 

اترك تعليقاً