مقالات الكتاب

الوطن.. ليس حكاية الأمس فقط

في اليوم الوطني لا نحتاج إلى أن نكرر ما نعرفه عن وطننا، بقدر ما نحتاج إلى أن نتأمل ما يعنيه أن يكون لنا وطن بهذا الحجم من التاريخ، وبهذا الحضور، وبهذا الطموح.
لم يكن إعلان الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود- طيب الله ثراه- توحيد هذه البلاد باسم المملكة العربية السعودية، مجرد تغيير لاسم على خريطة، بل كان بداية قصة دولة انتقلت من التشتت إلى الوحدة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن محدودية الإمكانات إلى دولة تقف اليوم بين الدول المؤثرة في العالم.
لكن أجمل ما في اليوم الوطني أنه لا يجعلنا أسرى للماضي؛ فالأوطان العظيمة لا تعيش على تاريخها، مهما كان مجيدًا، وإنما تجعل من تاريخها قاعدة تبني عليها مستقبلها. ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن نطرحه في اليوم الوطني السادس والتسعين ليس فقط: ماذا صنع الذين سبقونا؟ بل: ماذا سنصنع نحن لمن سيأتي بعدنا؟
هنا تتغير زاوية النظر إلى المناسبة؛ فالوطن ليس طرقًا ومباني ومشروعات ضخمة فقط، وليس أرقامًا اقتصادية نفاخر بها، ولا صورًا جميلة نرفعها في المناسبات. الوطن، قبل ذلك وبعده، إنسان يشعر أنه شريك في البناء، ومسؤول يعرف أن المنصب أمانة، وشاب يرى في مستقبله فرصة، ومواطن يحافظ على مقدرات بلاده كما يحافظ على ممتلكاته.
وما تعيشه المملكة اليوم من تحولات كبرى وطموحات واسعة يؤكد أن مسيرة البناء لم تتوقف، وأن الوطن الذي تأسس على الوحدة والأمن يمضي اليوم نحو مرحلة جديدة عنوانها التنمية وصناعة المستقبل. وما نشاهده من مشروعات نوعية، وتنويع اقتصادي، وتمكين للإنسان، واستثمار في المعرفة والتقنية والسياحة، ليس إلا امتدادًا لقصة وطن قرر ألا يكتفي بما حققه، بل يواصل التقدم بثقة نحو مكانة أكبر تليق بتاريخه وإمكاناته.
وهنا تحديدًا تصبح المواطنة مسؤولية وليست شعارًا؛ لأن الدول لا تُبنى بالقرارات والمشروعات وحدها، بل بسلوك أبنائها وإخلاصهم في ، وكل مواطن يحافظ على مكتسبات بلاده؛ يشارك بطريقته في صناعة الوطن.في اليوم الوطني السادس والتسعين، يحق لنا أن نفرح، وأن نرفع الراية، وأن نستعيد سيرة رجال صنعوا الوحدة في ظروف كانت أقسى بكثير مما نتصور. لكن الوفاء الحقيقي لهم ليس في الحديث عن إنجازاتهم فقط، وإنما في أن نواصل الطريق.
لقد سلّمونا وطنًا موحدًا وآمنًا، ومسؤوليتنا أن نسلّمه إلى الأجيال القادمة أكثر ازدهارًا، وأكثر عدلًا في التنمية، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر تمسكًا بقيمه وهويته.
ستة وتسعون عامًا ليست مجرد رقم في عمر دولة؛ إنها أمانة تنتقل من جيل إلى جيل. وفي كل عام، لا يكبر وطننا عامًا فقط، بل تكبر معه مسؤوليتنا تجاهه. فالوطن الذي صنعه الآباء بالتضحيات، لا يليق بالأبناء أن يحبوه بالكلمات وحدها. وكل عام وأنت بخير يا أحلى وطن في الكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *