مقالات الكتاب

عندما يصبح الصمت موقفاً

في حديث صحيح للرسول عليه الصلاة والسلام، برواية البخاري ومسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن سيد البشر قال:” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”.
وهناك حكمة قديمة تقول: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. لكن الحقيقة أن ليس كل سكوت من ذهب، كما أن ليس كل كلام من فضة!
فالصمت له صور تختلف باختلاف المواقف؛ فهناك صمت نمارسه حفاظًا على الود، وصمت منعًا لفتنة، وصمت لأن بعض الأمور لا تستحق أن تُقال. وهناك صمت يكون أبلغ من الكلام، حين يكون الرد انفعالًا لا فائدة منه، أو حين يكون السكوت حكمة ورجاحة عقل.
لكن هناك صورة أخرى للصمت أكثر خطورة؛ ذلك الصمت الذي يترك أثرًا سيئًا، أو يسمح بتفاقم مظلمة، أو يقتل حقًا، أو يجعل الباطل يمضي وكأنه حقيقة. عندها لا يعود الصمت حكمة، بل يتحول إلى موقف سلبي قد تكون له عواقبه.
وقد خلق الله- عز وجل- فينا النفس بأحوالها المختلفة؛ فهناك النفس الأمارة بالسوء التي قد تدفع صاحبها إلى الظلم والتجاوز، والنفس اللوامة التي تحاسب صاحبها، وتدفعه إلى مراجعة نفسه، وأعظمها النفس المطمئنة التي تعرف ما يجب وما لا يجب، وتدرك متى تصمت ومتى تتكلم؛ فكلامها من ألماس، وسكوتها من ذهب.
ومع كل ذلك، هناك مواقف يصبح فيها الكلام واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا، وربما موقفًا بين الإنسان وربه، يقول تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه).
فحين يرى الإنسان ظلمًا أو إساءة أو تجاوزًا، ويملك القدرة على قول كلمة حق تنصف مظلومًا أو ترد حقًا، ثم يختار الصمت خوفًا من خسارة أحد، أو رغبة في تجنب المواجهة، فهنا لا يكون صمته حيادًا بالضرورة، بل قد يصبح سببًا في استمرار الأذى.
ولعل أكثر ما يؤلم أن يمتد هذا الصمت إلى العلاقات؛ فكم من علاقة لم تنتهِ بسبب كلمة قيلت، وإنما بسبب حق لم يُقل، وعتب لم يُسمع، وموقف انتظره صاحبه طويلًا فلم يأتِ. تتراكم المشاعر بصمت، ويتحول العتب إلى جفاء، والجفاء إلى مسافة، حتى تصبح علاقة كان يمكن إنقاذها بكلمة صادقة في بدايتها، بحاجة إلى كثير من الجهد لترميم ما كسره الصمت.
ليس المطلوب أن نتدخل في كل خلاف، ولا أن نقول كل ما نعرف، فالكلمة مسؤولية كما أن الصمت مسؤولية. والحكمة ليست في كثرة الكلام، وإنما في معرفة متى نتكلم، وكيف نتكلم، ومتى يكون الصمت هو الخيار الأجمل.
لكن علينا أن ندرك أن بعض المواقف لا تحتمل الصمت، وأن كلمة الحق لا تفقد قيمتها لأنها قد تكون ثقيلة، كما أن الحفاظ على العلاقات لا يعني أن نسكت عن كل ما يؤلمنا.
وفي النهاية، ليس كل من تكلم كان حكيمًا، وليس كل من صمت كان حكيمًا؛ فبعض الكلام موقف، وبعض الصمت موقف، والفرق أن هناك صمتًا يحفظ الود، وصمتًا يهدمه بصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *