محمد الدغريري
منذ أن ظهر التلفزيون، دخل العالم مرحلة جديدة من التواصل مع الصورة والصوت. فقد استطاع هذا الجهاز أن ينقل الأخبار والأحداث والبرامج إلى داخل المنازل، وأن يصنع علاقة يومية بين المشاهد والشاشة الصغيرة، حتى أصبح التلفزيون لعقود طويلة جزءًا أساسيًا من حياة الناس.
بدأت التجارب الأولى للتلفزيون في النصف الأول من القرن العشرين، ثم تطورت سريعًا حتى بدأت بعض الدول بث برامج تلفزيونية منتظمة. ومع مرور السنوات، انتشر التلفزيون في مختلف أنحاء العالم، وأصبح وسيلة الإعلام الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام ونقل الأحداث، كما كان مصدرًا رئيسيًا للترفيه والثقافة والمعرفة.
وفي المملكة العربية السعودية، بدأ التلفزيون الرسمي بثه عام 1965م، ليشكل مرحلة مهمة في مسيرة الإعلام السعودي. ومع تطور البث وظهور القنوات الفضائية، اتسعت دائرة المشاهدة، وأصبح المشاهد أمام عشرات القنوات والبرامج والنشرات والدراما والبرامج الرياضية.
وكان للتلفزيون حضوره القوي في ذاكرة أجيال متعاقبة؛ فكانت الأسرة تجتمع حوله في أوقات محددة، وينتظر المشاهدون نشرات الأخبار والبرامج والمسلسلات والمباريات. وكان توقيت البرنامج يعني الكثير، لأن المشاهد كان مرتبطًا بجدول القناة، ولا يملك خيارًا واسعًا لمشاهدة ما يريد في الوقت الذي يريده.
لكن المشهد الإعلامي تغير بصورة جذرية مع ظهور الإنترنت، ثم جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتحدث التحول الأكبر. فقد انتقلت الشاشة من جهاز ثابت في المنزل إلى هاتف صغير يحمله الإنسان معه أينما ذهب، وأصبح بإمكانه متابعة الأخبار ومشاهدة المقاطع والبث المباشر والتفاعل معها في اللحظة نفسها.
لم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها قادرة على صناعة الخبر؛ فالمواطن أصبح قادرًا على التصوير والنشر والتعليق والوصول إلى جمهور واسع خلال دقائق. كما ظهرت منصات رقمية أتاحت للمستخدم اختيار المحتوى الذي يريده وفي الوقت الذي يناسبه، وهو ما جعل الأجيال الجديدة أقل ارتباطًا بالتلفزيون التقليدي.
ومع ذلك، فإن القول إن التلفزيون انتهى تمامًا قد يكون مبالغًا فيه؛ فهو ما زال حاضرًا، خصوصًا في الأخبار والرياضة والبرامج الكبرى، لكنه لم يعد الوسيلة الوحيدة التي تفرض نفسها على المشاهد كما كان في الماضي.
لقد تغيرت المعادلة؛ فبعد أن كان التلفزيون هو النافذة الأولى التي يطل منها العالم على الناس، أصبح اليوم ينافس شاشات صغيرة يحملها الجمهور في أيديهم. وربما لا يكون مستقبل التلفزيون في الاختفاء الكامل، بل في تحوله إلى شكل جديد يتعايش مع المنصات الرقمية، ويستفيد من سرعة التفاعل وقوة المحتوى المرئي.
وفي المستقبل، لن يكون السؤال: هل سيختفي التلفزيون؟ بل: كيف سيعيد اختراع نفسه ليبقى حاضرًا؟ فالإعلام الذي لا يتطور مع جمهوره يفقد جمهوره، والمنصات التي تملك القدرة على الابتكار ستقود المشهد. وبين تلفزيون الأمس ومنصات الغد، تبقى الحقيقة واحدة: الشاشة ستبقى، لكن شكلها ومَن يملكها ومَن يصنع محتواها سيتغير.
