أخطر ما قد نخسره في زمن المنصات، ليس الوقت الذي تسرقه منَّا الشاشات، بل أن نخسر شيئًا من هويتنا، ونحن نظن أننا نتسلى، فالهويات اليوم لا تتعرض للاختبار عبر الكتب والخطابات وحدها، وإنما عبر مقطع لا يتجاوز ثواني معدودة، ومؤثر يتابعه الملايين، و”ترند” يولد صباحًا ويجتاح الهواتف مساءً. وبين تمريرة إصبع وأخرى، تعبر إلينا أنماط من اللغة والسلوك والقيم، حتى أصبح المحتوى أسرع من قدرة كثيرين على التأمل فيه أو السؤال: هل يشبهنا فعلًا؟
المشكلة ليست في أن نشاهد العالم، بل في أن نسمح للعالم بأن يعيد تشكيلنا دون أن نشعر.
فالانفتاح ليس نقيض الهوية، والتطور لا يعني التخلي عن الجذور، ومواكبة العصر لا تستوجب أن نستعير شخصية الآخرين. الأمم الواثقة من نفسها تنفتح على العالم، لكنها تدخل إليه باسمها وملامحها وقيمها، لا بنسخة مستعارة من غيرها. ومع ذلك، أصبحنا نشاهد في بعض المحتويات سباقًا غريبًا نحو التقليد؛ مصطلحات تُستورد، وسلوكيات تُنسخ، ومظاهر تُستعرض، حتى إن بعضهم بات يتعامل مع اللهجة المحلية والموروث الاجتماعي، وكأنهما عبء يجب التخلص منه للظهور بمظهر “العصري”. والأسوأ حين تتحول بعض قيم المجتمع إلى مادة للسخرية بحثًا عن مشاهدة أو إعجاب أو لحظة عابرة في قائمة الأكثر تداولًا. وهنا لا يمكن إعفاء صانع المحتوى من المسؤولية. من يمتلك مئات الآلاف أو الملايين من المتابعين لم يعد فردًا يتحدث إلى هاتفه، بل أصبح منصة إعلامية . كلمة منه قد تنتشر أكثر من مقال، ومشهد قد يؤثر أكثر من محاضرة، وسلوك يقدمه على أنه عابر قد يتحول لدى الصغار إلى نموذج قابل للتقليد. ولذلك فإن عدد المتابعين ليس امتيازًا فقط، بل مسؤولية أيضًا.
والهوية الوطنية لا تحتاج منا إلى خطابات يومية ولا شعارات تملأ الشاشات. تحتاج إلى أن تكون حاضرة بصورة طبيعية في لغتنا، وقيمنا، واحترامنا لمجتمعنا، وطريقة تقديمنا لوطننا. فالوطنية ليست أن تضع العلم خلفك أثناء التصوير، ثم تقدم أمامه محتوى لا يشبه قيم المجتمع الذي يمثله. لدينا في المملكة تاريخ عميق، وثقافة متنوعة، ولهجات، وحكايات، وفنون، وموروث، ومدن وقرى وبيئات تمتد من البحر إلى الجبل والصحراء. وهذه ثروة هائلة لصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة، لا بالتقليد، بل بالاختلاف. نريد جيلًا يرى العالم كله، لكنه يعرف من أين جاء. جيلًا يستخدم أحدث التقنيات، ويتحدث لغات العالم، وينفتح على ثقافاته، لكنه حين يقدم نفسه لا يحتاج إلى استعارة هوية أحد. فالخوف ليس من “الترند” الذي يأتي ويرحل، بل من أثره حين يبقى فينا بعد رحيله. وفي زمن يتغير فيه المحتوى كل دقيقة، يجب أن تبقى هناك أشياء لا تتغير: أن نعرف من نحن، وأن نعتز بما نحن عليه، وألا نسمح لخوارزمية أن تختار لنا هويتنا. وكلنا في خدمة الوطن.
الهوية الوطنية في زمن المحتوى السريع
