مقالات الكتاب

اغتياب

لا أستبعد أن هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي التاسع، قد درس نفسيات الناس. فهم يخوضون في سيرة الخلفاء بالحق والباطل، وما أكثر الباطل. ولكنهم لا يكتفون بالقول مثلًا خبيث أو ساقط، أو الاثنان معا، بل يذهبون إلى الخوض في الأعراض. وقف في ديوانه، وقال لمئات الحضور، ورفع أمام أعينهم عمامة فاخرة جديدة: أيها الناس من يسبني ولا يفحش؟ وله هذه العمامة.
فانتصب أعرابي وقال: هاتها يا أحول.
فرماها إليه، وهو يقول: خذها لا بارك الله لك فيها.
لذلك نجد الذين يؤرخون لهشام لا يفوتهم، أن يذكروا أنه أحول. لقد دخلت هذه الخصلة التاريخ أكثر من صفتيه الأخريين، وهما البخل والحلم. أما البخل فقد قال له أخوه مسلمة بن عبد الملك: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل؟ فقال: ولكني عليم حليم. وأما الحلم؛ فإنه ذات عام ذهب للحج، وهناك طلب منه حفيد لعثمان- رضي الله عنه- أن يعيد سب أبي تراب على المنابر. فقال: جئنا للحج ولم نأت لسب أحد.
وقد نجح نجاحًا باهرًا في تلطيف السب، وهو أنه أحول. وليس كل الحوَل منكرًا، بل إن بعض القبائل تحب الفتاة الحولاء، ويرون في ذلك جمالًا. لكن الناس لا يتركون أحدًا وشأنه. وقد حفظت من سيرة جدي حسن قوله: جُد وغيرك يُخبِّر وافسل وغيرك يُخبِّر.
من جهة أخرى، استفاد هشام استفادة كبيرة من قصته، التي تجاهل فيها زين العابدين في الحرم المكي، حين رأى الناس ينشزون؛ لكي يفسحوا لزين العابدين حتى يستلم الحجر الأسود دون مزاحمة. فلما سأل شامي هشامًا: من هذا؟ قال: لا أعلم. فسمعه الشاعر الفرزدق، فقال فيه القصيدة الشهيرة ومنها:
وليس قولك من هذا بضائره العُرب تعرف من أنكرت والعجمُ
صحيح أن القصيدة تعريض به، لكن المؤكد أن الصفات النبيلة التي ذكرها الفرزدق أثرت في نفس هشام” مكرهًا أخاك لا بطل”. وهذا هو دور الشعر.
وجلس بعد توليه الخلافة مع صديقه أبرش، فدخلت عليهما مطربة بحلة جميلة فقال: هشام: امزح معها يا أبرش. فقال أبرش للجارية: اعطني هذ الحلة. فقالت: إنك أطمع من أشعب. هنا سأل هشام: الجارية ومن أشعب هذا؟ فقالت له: رجل مضحك وحكت بعض قصصه. فضحك وأمر كاتبه بأن يكتب إلى والي المدينة المنورة أن يرسل إليه أشعب. وبعد أن ختم الكتاب قال: أنا أكتب إلى مدينة رسول الله بإشخاص مضحك إلى دمشق. هذا لا يكون وتمثل بقول الشاعر:
إذا أنت لم تعصِ الهوى قادك الهوى/ إلى بعض ما فيه عليك مقالُ
ثم مزّق الكتاب.
ولما تولى المنصور الخليفة العباسي الثاني الحكم أخذ يتتبع سيرة هشام بن عبد الملك كي يقتدي به. وكان الاثنان بخيلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *