في المؤسسات الكبرى، لا يُقاس نجاح المسؤول بقدرته على إحداث التغيير خلال فترة قيادته فحسب، وإنما بقدرته على بناء مؤسسة تستمر في النجاح بعد مغادرته. فالمؤسسة المستدامة هي التي تتحول فيها الرؤى والخطط والسياسات إلى أنظمة وممارسات مؤسسية، لا ترتبط بشخص المسؤول أو توجهاته، بل تستمر وتتطور بتعاقب القيادات.
وتبرز هذه الإشكالية في بعض المؤسسات، ومنها الجامعات، حيث تُعتمد خطط إستراتيجية طموحة بعد مراحل طويلة من الدراسة والتحليل والمشاركة والمراجعة، ثم قد تتعطل بعض أهدافها، أو تتراجع أولوياتها مع تغير القيادات، وتتقدم توجهات المسؤول الجديد على ما أُقر مؤسسياً، فتبدأ المؤسسة عملياً من جديد، أو تعيد ترتيب أولوياتها، دون تقييم كافٍ لما تحقق، وما تعثر، وأسباب التعثر، وما إذا كانت المتغيرات تستدعي فعلاً إعادة ترتيب الأولويات.
والمشكلة هنا ليست في التغيير؛ فالتغيير ضرورة، ولا يمكن لمؤسسة حية أن تبقى أسيرة خطة إذا تغيرت الظروف والاحتياجات. لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح التغيير مرتبطاً بالأشخاص أكثر من ارتباطه بالاحتياج المؤسسي، وعندما تتحول الخطط الاستراتيجية إلى وثائق تُعد للاعتماد والتقييم، بدلاً من أن تكون مرجعاً حاكماً لصناعة القرار، وتوجيه الموارد، وقياس الأداء والمساءلة عن النتائج.
والبناء المؤسسي المستدام لا يعني إلغاء دور المسؤول، أو تقييد صلاحياته، وإنما أن يعمل داخل منظومة مؤسسية واضحة، تمكّنه من تطوير المسار دون هدم ما بُني، وتصحيح الانحراف دون إلغاء ما سبق، وإطلاق مبادرات جديدة دون تعطيل المبادرات القائمة لمجرد ارتباطها بقيادة سابقة.
وتظهر تكلفة ضعف البناء المؤسسي عندما تتكرر المشروعات والمبادرات بتغير المسؤولين، وتُستهلك الموارد في إعادة التأسيس بدلاً من البناء التراكمي، وتتغير الهياكل واللجان والأولويات بصورة متكررة، بينما تبقى بعض المشكلات الجوهرية دون حلول مستدامة. ولا تقتصر التكلفة على الموارد المالية، بل تمتد إلى هدر الوقت، وفقد المعرفة والخبرة المؤسسية، وتذبذب الأولويات، وتعثر المشروعات، وصعوبة قياس المسؤولية عن النتائج.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس حماية الخطط من التغيير، وإنما حوكمة التغيير نفسه؛ بحيث لا تتغير التوجهات، أو تتوقف المبادرات والمشروعات الإستراتيجية لمجرد تغير المسؤول، وإنما بناءً على مراجعة مؤسسية موثقة تقيس ما تحقق، وتحدد أسباب التعثر، وتقيّم المتغيرات التي تستدعي التعديل، وتقدر أثره في الموارد والنتائج، مع توثيق مبررات التعديل والجهة صاحبة الصلاحية، بما يعزز المساءلة المؤسسية.
كما أن انتقال القيادة ينبغي أن يكون انتقالاً مؤسسياً للمعرفة والمسؤولية، لا مجرد انتقال للصلاحيات؛ بما يحفظ استمرارية الأعمال، من خلال توثيق حالة الخطط والمشروعات، ونسب الإنجاز، والالتزامات والمخاطر والقرارات القائمة، بما يمكّن القيادة الجديدة من اتخاذ قرار واعٍ بشأن ما ينبغي استكماله أو تطويره أو تصحيحه.
فالذاكرة المؤسسية ليست أرشيفاً للوثائق، وإنما رصيد من المعرفة والقرارات والتجارب والدروس المستفادة. والمؤسسات التي لا تراكم خبراتها، ولا تحفظ ذاكرتها التنظيمية، ولا تربط قراراتها بخططها الإستراتيجية، قد تظل في حالة حركة مستمرة، لكنها لا تحقق بالضرورة تقدماً حقيقياً.
والتحدي أمام القيادات- إذن- ليس في أن تترك بصمتها الشخصية على المؤسسة بقدر ما هو في أن تترك مؤسسة أقوى، ونظاماً أكثر نضجاً، وخططاً ومشروعات لا تتعطل بتغير المسؤولين. فالمسؤول الناجح ليس من يبدأ كل شيء من جديد، وإنما من يعرف أين وصلت المؤسسة، وما الذي يستحق أن يُستكمل، وما الذي يحتاج إلى تصحيح، وما الذي تفرض المتغيرات تطويره.
وهنا يظهر الفارق بين إدارة المؤسسة وبنائها: فالإدارة قد تحقق نتائج خلال فترة مسؤول، أما البناء المؤسسي الحقيقي فيصنع منظومة تستمر في تحقيق النتائج بعده. وعندما تصبح الخطط والقرارات والمشروعات مرتبطة بالمؤسسة لا بالأشخاص، ينتقل العمل من اجتهادات المسؤول إلى استدامة الأداء، ومن تتابع القيادات إلى تراكم الإنجاز.
awasel64@
