مقالات الكتاب

جبر الخواطر.. أثر لا ينسى

في زحام الحياة، وبين تفاصيلها المتسارعة، قد ننشغل كثيرًا بما نريد أن نحققه، وننسى أحيانًا أن هناك من حولنا من يحتاج كلمة طيبة أكثر مما يحتاج شيئًا آخر. فالكلمة قد تبدو بسيطة في نظر قائلها، لكنها قد تكون بالنسبة لشخصٍ آخر سببًا في ابتسامة، أو دافعًا للاستمرار، أو بلسمًا لجُرح لا يراه أحد.
جبر الخواطر ليس مجرد مجاملة عابرة، ولا موقفًا نفعله حين تتاح لنا الفرصة، بل هو قيمة إنسانية عظيمة، تكشف معدن الإنسان وحُسن تعامله مع الآخرين. أن تواسي حزينًا، وتشجع محبطًا، وتساند محتاجًا، وتعتذر لمن أخطأت في حقه، وأن تقول لمن بذل وأخلص: “شكرًا”؛ كل ذلك من صور جبر الخاطر.
ولعل أجمل ما في جبر الخواطر، أنه لا يحتاج دائمًا إلى مال أو إمكانات. أحيانًا تكون رسالة قصيرة في وقتها، أو اتصالًا للاطمئنان، أو دعوة صادقة، أو ابتسامة صادقة، كفيلة بأن تغيّر يوم إنسان بأكمله. فكم من شخصٍ كان ينتظر كلمة واحدة تعيد إليه ثقته بنفسه، وكم من إنسانٍ كان يمر بظرف قاسٍ، ولم يكن يحتاج سوى أن يشعر؛ بأن هناك من يقف إلى جواره. وفي المقابل، فإن كسر الخواطر من أكثر الأمور التي تترك أثرًا عميقًا في النفس. قد ننطق بكلمة وننساها بعد دقائق، بينما تبقى في قلب من سمعها سنوات. لذلك فإن الإنسان الواعي لا يقيس كلامه بما يعنيه هو، وإنما بما قد يتركه في نفس الآخرين.
نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد لجبر الخواطر مكانته في حياتنا؛ في أسرنا، وبين أصدقائنا، وفي مجتمعنا. أن نتعلم ألا نستهين بمشاعر الآخرين، وألا نبحث دائمًا عن الخطأ قبل أن نرى الجهد، وألا نجعل اختلافنا سببًا للتقليل من الآخرين أو تجاهل ما قدموه. إن أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، وإنما تلك التي يعرف أصحابها كيف يتجاوزون الأخطاء، وكيف يحفظون الود، وكيف يجبرون الخاطر حين ينكسر.
وفي النهاية، قد لا يتذكر الناس كل ما قلناه لهم، ولا كل ما قدمناه، لكنهم سيتذكرون جيدًا كيف جعلناهم يشعرون. لذلك، فلنكن ممن يتركون في حياة الآخرين أثرًا طيبًا، ولنجعل جبر الخواطر أسلوب حياة؛ فالدنيا أقصر من أن نكسر قلبًا، وأجمل بكثير حين نكون سببًا في جبره؛ فجبر الخواطر لا يكلّفنا كثيرًا، لكنه قد يعني للآخرين الكثير.

SalehElshehry@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *