مقالات الكتاب

لماذا نحمل المعرفة على ظهور أبنائنا؟

لماذا نحمل المعرفة على ظهور أبنائنا؟
مع بداية كل عام دراسي، يتكرر مشهد أصبحنا معتادين عليه؛ طالب يخرج من المنزل بحقيبة مليئة بالكتب والدفاتر، وأحيانًا يبدو وزنها أكبر مما ينبغي أن يحمله طفل، أو شاب في طريقه إلى المدرسة. وقد أصبح هذا المشهد مألوفاً إلى درجة أننا نتعامل معه؛ باعتباره جزءاً طبيعياً من العملية التعليمية، رغم أنه لا يعكس بالضرورة أفضل أساليب التعلم وأكثرها فاعلية.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ما زال الطالب بحاجة إلى كل هذه الكتب الورقية في زمن أصبحت فيه المملكة واحدة من الدول المتقدمة في التحول الرقمي؟
المسألة لاتتعلق بإلغاء الكتاب الورقي، فالكتاب مهم وسيبقى له مكانه في التعليم. لكن المشكلة في كمية الكتب وطريقة استخدامها، خصوصاً أننا نعيش اليوم في بيئة رقمية مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل سنوات.
نحن في المملكة وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها إنجاز كثير من الخدمات الكترونياً. نستخرج الوثائق، ونحجز المواعيد، ونتابع المعاملات، ونستفيد من عشرات الخدمات دون الحاجة إلى ورقة واحدة.
وهذا يعكس مستوى النضج الذي وصل إليه التحول الرقمي في المملكة، حتى أصبحت السعودية ضمن الدول المتقدمة عالمياً في الحكومة الإلكترونية.
فإذا كانت الخدمات الحكومية قد انتقلت إلى هذا المستوى، فلماذا لا نسرّع الخطوة نفسها في التعليم؟
والحقيقة أن وزارة التعليم قطعت شوطاً في هذا الاتجاه، فلدينا منصات رقمية مثل مدرستي، إلى جانب المقررات الإلكترونية، ولدينا محتوى رقمي يمكن للطالب الوصول إليه. وهذا يعني أن البنية الأساسية للتحول الرقمي موجودة.
إذن، القضية ليست أننا لا نملك البديل.
فالبديل موجود، لكن السؤال: لماذا لا يصبح هو الأساس؟
تخيلوا طالباً يحمل جهازاً خفيفاً بدلاً من حقيبة مليئة بالكتب. جميع مقرراته موجودة أمامه، ويمكنه الوصول إليها في أي وقت. وإذا أراد أن يفهم درساً صعباً، فيمكنه أن يجد فيديو أو شرحاً إضافياً. وإذا كان هناك تمرين، يستطيع حله مباشرة والحصول على نتيجة فورية.
والأهم من ذلك أن المقرر الرقمي يمكن تحديثه بسهولة. إذا تغيرت معلومة أو أضيف محتوى جديد، فلا نحتاج إلى إعادة طباعة ملايين الكتب وتوزيعها من جديد.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط براحة الطالب.
هناك أيضاً جانب اقتصادي وبيئي. فطباعة الكتب وتخزينها ونقلها وتوزيعها عملية ضخمة تتكرر كل عام. وكلما توسعنا في استخدام المحتوى الرقمي، استطعنا تقليل جزء من هذه العمليات، وتوجيه الموارد إلى ما هو أكثر أهمية في العملية التعليمية.
لكنني لا أعتقد أن الحل هو أن نرمي الكتب الورقية ونقول: انتهى عصرها.
ليس بهذه البساطة.
فهناك طلاب يفضلون الكتاب الورقي، وهناك مواد قد يكون الكتاب فيها مفيداً، كما أن الوصول إلى التقنية يجب أن يكون متاح للجميع. لذلك يمكن أن يكون الحل أكثر مرونة: المقرر الرقمي هو الأساس، والكتاب الورقي متاح عند الحاجة.
والأهم ألا نقع في خطأ آخر؛ فليس المطلوب أن نحول الكتاب الورقي إلى ملف PDF ونضعه داخل جهاز، فهذا ليس تحولاً رقمياً.
التحول الحقيقي هو أن نستفيد من التقنية لتقديم تعليم أفضل: محتوى تفاعلي، تجارب ومحاكاة، اختبارات ذكية، وتعلم يناسب مستوى كل طالب.
ويمكن أن نبدأ بخطوة بسيطة: تجربة هذا النموذج في عدد من المدارس، وقياس النتائج. هل تحسن مستوى الطلاب؟ هل أصبح التعلم أسهل؟ هل خف وزن الحقيبة؟ هل انخفضت تكاليف الطباعة والتوزيع؟ ثم نبني قراراتنا على النتائج.
نحن اليوم نبني دولة رقمية، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التحول على المدرسة أيضاً.
فربما آن الأوان لأن نطرح السؤال بطريقة مختلفة:
لماذا يحمل الطالب كل هذه الكتب، بينما يستطيع جهاز واحد أن يحمل مقررات عام دراسي كامل؟
قد يبدو الأمر بسيطاً لكنه في الحقيقة جزء من سؤال أكبر:
هل نريد أن نستخدم التقنية لتسهيل التعليم فقط، أم نستخدمها لإعادة التفكير في التعليم نفسه؟
وفي رأيي، حان الوقت لأن تصبح حقيبة الطالب أخف، ومحتواه التعليمي أذكى، وتجربته في المدرسة أكثر مواكبة للعصر الذي يعيش فيه.

alhijazmusleh@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *