حين أعلنت صحيفة “الرياض” عزمها إيقاف نسختها الورقية، والانتقال إلى النسخة الإلكترونية اعتبارًا من يوم 24 أغسطس الجاري، لم أستقبل الخبر بوصفه تحولًا تقنيًا عابرًا في مسيرة صحيفة عريقة، بل استقبلته بوصفه لحظة تستدعي الذاكرة، وتوقظ في داخلي نحو عقدين من العمر الصحفي، الذي عشته بين صفحات هذه الجريدة، وفي أروقتها ومطابعها ومكاتبها، وفي ميادين العمل الصحفي داخل المملكة وخارجها.
وبالنظر إلى تعدد المحطات والتفاصيل التي تتضمنها هذه التجربة، فإن تناولها في مقال واحد قد لا يتيح المساحة الكافية لعرضها بصورة متكاملة. لذلك سأقسمها إلى أجزاء متتابعة، بما يراعي المساحة المخصصة للنشر، ويتيح تقديم التجربة في تسلسلها الزمني والمهني، مع التركيز على أبرز المحطات وأكثرها دلالة، دون الاسترسال في التفاصيل الدقيقة؛ إذ إن لكل محطة تفاصيلها ووقائعها التي يصعب اختزالها في هذا السياق. أما التفاصيل الأوسع، وما يرتبط بها من جوانب مهنية وإنسانية في مسيرتي عمومًا، فلعلها تكون مجالًا لإصدار مطبوع مقبل بإذن الله تعالى.
بدأت علاقتي بـ”الرياض” مراسلًا صحفيًا من منطقة بني مالك بمحافظة ميسان، جنوب الطائف. وكانت تلك البداية بوابة واسعة إلى عالم الصحافة الميدانية، ومقدمة لمسيرة مهنية امتدت لنحو عقدين.
لم تكن الصحافة بالنسبة لي آنذاك مجرد كتابة خبر أو نقل حدث، وإنما كانت اقترابًا من الناس، والذهاب إليهم، والاستماع إلى أصواتهم، والبحث عن القصة التي تستحق أن تصل إلى القارئ. وخلال سنوات عملي في الجريدة، كتبت عددًا كبيرًا من التقارير الميدانية والاستطلاعات والتحقيقات الصحفية والحوارات، وشاركت في إعداد العديد من الملاحق الصحفية، وركزت على أخبار التعليم، وأخبار الثقافة والأدب، وبعض الموضوعات الاجتماعية، بحكم التخصص والاهتمام.
وكنت أجد في هذه الموضوعات ما يتجاوز حدود الخبر العابر؛ فالتعليم قضية ترتبط ببناء المستقبل، والثقافة رافد أساسي في تشكيل وعي المجتمع وذاكرته، والأدب أحد أبرز أشكال التعبير عن الإنسان والمكان والزمان، فيما تمثل الموضوعات الاجتماعية مجالًا مهمًا لرصد قضايا المجتمع، وتناول شؤونه وملامسة احتياجات أفراده وتطلعاتهم.
ومن أبرز محطات تجربتي المهنية مع “الرياض” كانت تمثيلي للجريدة في العاصمة الروسية موسكو لمدة قاربت خمس سنوات. وكانت هذه المهمة واحدة من أهم التجارب، التي أعتز بها في مسيرتي الصحفية؛ فقد أتاحت لي العمل من خارج المملكة، ومتابعة الأحداث من مصادرها ومواقعها، والتواصل مع الشخصيات والجهات المختلفة، ونقل ما يحدث في روسيا، وما يتصل بها إلى القارئ.
وأتذكر جيدًا كيف بدأت قصة هذه المهمة؛ إذ تلقيت اتصالًا هاتفيًا من سعادة رئيس التحرير آنذاك، الأستاذ تركي بن عبدالله السديري- رحمه الله. وعندما حضرت إلى مقر الجريدة في الرياض، وقبل أن نبدأ اجتماعنا معه لترتيب تفاصيل هذه المهمة، استدعى اثنين من موظفي العلاقات العامة، وطلب منهما أن يصطحباني في جولة شاملة على أقسام الجريدة.
وكانت تلك الجولة من الذكريات التي لا تزال حاضرة في ذهني حتى اليوم؛ فقد شملت مختلف أقسام الجريدة، إلى جانب المطبعة التي كانت “الرياض” قد دشنتها بتكلفة أكثر من 70 مليون ريال، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 50 ألف نسخة في الساعة، وكانت آنذاك من أكبر المطابع الصحفية في الوطن العربي.
وهناك اطلعت عن قرب على رحلة الخبر منذ لحظة وصوله من المراسلين، مرورًا بمراحل التحرير والتدقيق والتصحيح والصف والإخراج، ثم الطباعة، وصولًا إلى توزيع الصحيفة ونقلها عبر وسائل النقل، بما في ذلك الطيران، حتى تصل إلى منافذ البيع في مختلف مناطق المملكة، بل وإلى بعض المناطق خارج المملكة.
وسوف أتناول في الأسبوع المقبل- بإذن الله تعالى- الحلقة الثانية من هذه التجربة، مستعرضًا أبرز محطاتها وذكرياتها، وما حملته من خبرات مهنية وإنسانية متنوعة.
حين يطوى الورق ولا تطوى الذاكرة (4-1)
