مقالات الكتاب

أبحث عمن يريدني لشخصي

في مرحلة ما من العمر، تتغير نظرتنا إلى كثير من العلاقات. لم نعد نبحث عن كثرة المعارف، ولا عن عدد من يحيطون بنا، ولا عن أولئك الذين لا يتذكروننا إلا عندما يحتاجون شيئًا. نصبح أكثر وضوحًا مع أنفسنا، وأكثر قدرة على التمييز بين من يريدنا نحن، ومن يريد ما نملكه، أو ما نستطيع تقديمه.
أصبحت أبحث عمّن يريدني لشخصي، لا لمنصبي، ولا لعلاقاتي، ولا لما يمكن أن أقدمه له. أبحث عمّن يجد في وجودي قيمة، وفي حديثي راحة، وفي حضوري معنى، حتى عندما لا أملك له شيئًا سوى الصدق والاهتمام؛ فبعض العلاقات تبدأ بالمصلحة، وتستمر ما دامت المنفعة قائمة، وتنتهي لحظة يتوقف العطاء. وعندما تمر الأيام ويقلّ ما تستطيع تقديمه، تكتشف أن كثيرًا ممن ظننت أنهم قريبون، لم يكونوا قريبين منك، بل كانوا قريبين مما لديك. وهنا تأتي الحقيقة التي قد تكون مؤلمة، لكنها مريحة في الوقت نفسه؛ ليس كل من اقترب منك أحبك، وليس كل من أكثر السؤال عنك كان مهتمًا بك. هناك من يسأل عنك لأنه يحتاجك، وهناك من يسأل عنك لأنه يفتقدك. والفرق بين الاثنين لا يظهر في الكلام، بل في المواقف.
نحن لا نحتاج في هذه الحياة إلى أشخاص كثيرين، بقدر حاجتنا إلى أشخاص حقيقيين؛ شخص تستطيع أن تكون أمامه كما أنت، دون أن تتجمل بالكلمات، أو تخفي تعبك، أو تحسب حسابًا لكل موقف. شخص لا تتغير قيمتك عنده عندما تتغير ظروفك. لقد أصبحت أبحث عن علاقة لا يكون فيها الأخذ أكثر من العطاء، ولا يكون فيها الحضور مرتبطًا بالحاجة. أبحث عن إنسان إذا غبت سأل، وإذا تعبت اقترب، وإذا لم أستطع أن أقدم شيئًا بقي كما هو. ربما نصل جميعًا في مرحلة من العمر إلى هذه القناعة؛ أن أجمل العلاقات ليست تلك التي نثبت فيها أننا مفيدون، بل تلك التي نشعر فيها أننا محبوبون لذواتنا؛ فلا أريد أن أكون مهمًا لأنني أستطيع أن أفعل شيئًا لأحد، بل أريد أن أكون عزيزًا لأنني أنا.
وفي زمن أصبحت فيه المصالح تختبئ خلف كثير من العلاقات، يبقى السؤال الحقيقي: من يريدني أنا. حين لا يكون لدي ما أقدمه؟
هؤلاء فقط هم الذين يستحقون أن نحافظ عليهم. هذا ما قاله لي ذلك الصديق المقرب في لحظة مصارحة مع النفس ما قاله لي أتفق مع بعضه، وأختلف مع البعض الآخر، وهو من الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *