بعد إجازةٍ امتدت طويلًا، ها نحن نعود من جديد إلى مقاعد الدراسة، ونستقبل عامًا دراسيًا جديدًا يحمل معه الأمنيات والطموحات، وتبدأ معه رحلة جديدة من العلم والمعرفة وبناء المستقبل.
ومع هذه البداية، لا بد أن نسأل: هل نحن مستعدون فعلًا؟
ليس الطلاب وحدهم من يستعدون بالحقائب والدفاتر والزي المدرسي، بل هناك استعداد أكبر يجب أن يبدأ من البيت، ويمتد إلى المدرسة، ويشترك فيه كل من الأسرة والمعلم والطالب.
وقبل أن يصل أبناؤنا إلى فصولهم، هناك بيت يصنع جزءًا كبيرًا من شخصياتهم. فالأسرة هي المدرسة الأولى، ومنها يتعلم الطفل الالتزام والاحترام وتحمل المسؤولية وتنظيم الوقت.
ولا ينبغي أن يقتصر استعداد الأسرة للعام الدراسي على شراء المستلزمات، بل يبدأ بتهيئة الأبناء نفسيًا للعودة، وإعادة تنظيم أوقات النوم، وتقليل السهر، وتشجيعهم على استقبال الدراسة بروح إيجابية بعيدًا عن التخويف والضغط والمقارنات.
ومن أجمل ما يمكن أن يسمعه الطالب في بداية عامه: نحن نثق بك، ونجاحك رحلة سنكون معك فيها.
فالابن يحتاج إلى بيت يحتويه عندما يتعثر، ويشجعه عندما ينجح، ويعلمه أن الخطأ فرصة للتعلم وليس نهاية الطريق.
أما المعلمون والمعلمات، فهم يستقبلون في كل عام وجوهًا جديدة، وأحلامًا مختلفة، وشخصيات تحتاج إلى من يكتشفها ويمنحها الثقة.
أنتم لا تقدمون درسًا في كتاب فقط، بل قد تصنع كلمة من أحدكم مستقبل طالب كامل. وربما يتذكر الطالب بعد سنوات طويلة معلمًا آمن بقدراته، أو معلمة قالت له كلمة جميلة في وقت كان يحتاج إليها.
التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، والمعلم الناجح لا يقيس نجاحه بعدد الدروس التي أنهاها، بل بما تركه من علم وقيمة وأثر في طلابه.
وفي المقابل، يبقى الطالب هو محور هذه الرحلة، وعليه أن يدرك أن مستقبله لا يُصنع في يوم واحد، وإنما بخطوات صغيرة ومتواصلة: حضور، وانضباط، واجتهاد، وقراءة، وسؤال، ومحاولة بعد محاولة.
ليس المطلوب أن يكون جميع أبنائنا متشابهين، أو أن يحصلوا على الدرجات نفسها؛ فلكل طفل قدراته وموهبته وطريقه. ودورنا أن نساعده على اكتشاف أفضل ما لديه، لا أن نجعله نسخة من غيره.
مع انطلاق العام الدراسي، أتمنى ألا تكون رسالتنا لأبنائنا: نريد منكم الدرجات فقط، بل نقول لهم: نريد منكم العلم، والأخلاق، والثقة، والمسؤولية، وأن تصبحوا في كل عام أفضل من العام الذي سبقه.
الأسرة والمعلم ليسا طرفين منفصلين؛ إنهما شريكان في صناعة الإنسان. فإذا احتضنت الأسرة أبناءها، وأخلص المعلم في رسالته، وأدرك الطالب مسؤوليته، فإننا لا نصنع طالبًا ناجحًا فحسب، بل نبني جيلًا واعيًا قادرًا على صناعة مستقبل وطنه.
عام دراسي جديد، نسأل الله أن يكون عامًا مليئًا بالعلم والنجاح والإنجاز، وأن يحفظ أبناءنا وبناتنا ومعلميهم ومعلماتهم، ويكتب لهم بداية جميلة ومستقبلًا أجمل
دق جرس البداية.. فمن يصنع نجاح أبنائنا؟
