مقالات الكتاب

قبل أن نختلف..الاحترام أولا

في زمنٍ أصبح فيه البعض يخلط بين الجرأة وقلة الأدب، وبين الصراحة والتجريح، وبين قوة الشخصية ورفع الصوت، أصبح من الضروري أن نتوقف قليلًا أمام قيمة تكاد تضيع وسط ضجيج الحياة: الاحترام. الاحترام ليس كلمة تُقال، ولا مجاملة تُقدم في المناسبات، بل هو سلوك يكشف حقيقة الإنسان، ويظهر في طريقة حديثه، وفي تعامله، وفي اختلافه مع الآخرين.
قد تختلف معي في الرأي، وقد ترى أنني مخطئ، وقد لا يعجبك موقفي، وهذا حقك الكامل. لكن اختلافك معي لا يمنحك الحق في الإساءة إليّ، ولا يحوّل الخلاف إلى خصومة، ولا يجعل التجريح دليلًا على قوة حجتك.المشكلة أن البعض عندما يعجز عن إقناع الآخرين بمنطقه، يلجأ إلى التقليل منهم. وعندما تنتهي حجته، يبدأ برفع صوته. وعندما لا يجد ما يقوله، يبحث عن عيوب الآخرين وكأن الإساءة يمكن أن تنتصر للرأي.
الإنسان الواثق من رأيه لا يحتاج إلى إهانة مخالفه، وصاحب الحجة لا يحتاج إلى التجريح، ومن يمتلك ثقافة الحوار يعرف أن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن الناس ليسوا مطالبين بأن يكونوا نسخة واحدة من بعضهم. والأخطر من ذلك أن الإساءة أصبحت في بعض الأحيان أسهل من الاعتذار، والحكم على الآخرين أسرع من فهمهم، وتفسير النوايا أسهل من سؤال أصحابها.
كم من علاقة انتهت بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب، وكم من شخص حمل في قلبه أثر عبارة لم يكن من السهل نسيانها. الكلمات لا تُرى، لكنها قد تترك جروحًا أعمق من كثير من المواقف. وفي مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح المشهد أكثر وضوحًا؛ فمجرد اختلاف في رأي قد يحوّل النقاش إلى معركة، ويجعل البعض يتعامل مع صاحب الرأي الآخر وكأنه عدو، لا إنسان له حق الاختلاف. والسؤال هنا: هل أصبح الاختلاف مبررًا للإساءة؟ بالطبع لا.يمكنك أن تختلف دون أن تسيء، وأن تنتقد دون أن تجرح، وأن ترفض دون أن تهين، وأن تكون حازمًا دون أن تتخلى عن أخلاقك؛ فالاحترام لا يعني أن تتنازل عن رأيك، وإنما يعني أن تحافظ على إنسانيتك وأنت تدافع عنه.
وفي النهاية، لا أحد يخسر شيئًا عندما يكون محترمًا. بل إن الإنسان حين يحترم الآخرين- حتى المختلفين معه؛ فإنه لا يمنحهم قيمة إضافية، بقدر ما يكشف عن قيمته هو؛ لذلك، قبل أن نبحث عن أخطاء الآخرين، وقبل أن نرفع أصواتنا، وقبل أن نطلق الأحكام، وقبل أن نكتب تعليقًا جارحًا أو نوجه كلمة قاسية، علينا أن نتذكر أن أمامنا إنسانًا لديه مشاعر وكرامة، وأن الكلمة مسؤولية. الاحترام أولًا؛ لأن الاختلاف ينتهي، أما أثر الإساءة فقد يبقى طويلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *