مقالات الكتاب

الحرية الأكاديمية.. هل تصنع المجالس القرار أم تمرره؟

تُقاس قوة الجامعات ومكانتها العلمية بما تنتجه من معرفة، وما تتيحه من بيئة محفزة للبحث والتعليم والنقد العلمي، ولا يمكن أن تزدهر هذه البيئة دون حرية أكاديمية حقيقية. فالجامعة ليست مؤسسة إدارية تقليدية تُدار بمنطق الأوامر والتعليمات، وإنما مجتمع علمي يقوم على الحوار، وتعدد الآراء، والاستقلالية المهنية، والاحتكام إلى المعرفة والتخصص. والحرية الأكاديمية لا تعني العمل بمعزل عن الأنظمة، وإنما أن تقوم القرارات المتعلقة بالتعليم والبحث والمناهج والبرامج والتقييم العلمي على الرأي المتخصص والحوار المؤسسي والمعايير الموضوعية، وأن تمارس المجالس واللجان الأكاديمية اختصاصاتها باستقلالية مهنية في إطار الأنظمة والصلاحيات المعتمدة. ومن هنا ارتبطت الحرية الأكاديمية في الجامعات الرصينة بالحوكمة التشاركية ودور أعضاء هيئة التدريس في القضايا التي تمس جوهر الرسالة الأكاديمية. وهنا يبرز السؤال: ما الدور الحقيقي لمجالس الأقسام والكليات والمجلس العلمي ومجلس الجامعة واللجان الدائمة والمركزية؟ يفترض أن تبدأ صناعة القرار الأكاديمي من الأقسام العلمية؛ لأنها الأقرب إلى التخصص، ثم تنتقل عبر المستويات التنظيمية بحيث يكمل كل مستوى الآخر. لكن الإشكالية تبدأ عندما تصبح المجالس حلقات إجرائية لتمرير قرارات اتُّخذت مسبقاً، أو تتحول اللجان إلى أدوات لإعادة إنتاج التوجيه الإداري بدلاً من أن تكون منصات للنقاش العلمي وصناعة القرار. والمشكلة ليست في وجود القيادات الجامعية أو صلاحياتها؛ فالقيادة ضرورة، وإنما في الحد الفاصل بين التوجيه والتمكين من جهة، والتدخل في القرار الأكاديمي من جهة أخرى. فالقيادة الناجحة لا تُقاس بقدرتها على فرض الرأي، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تتخذ قراراتها وفق أسس مهنية حتى عند اختلاف الآراء. ولا تقتصر أهمية ذلك على حماية الحرية الأكاديمية، بل تمتد إلى جودة القرار؛ فإتاحة الرأي المتخصص، ومناقشة البدائل، وإظهار الآراء المختلفة تقلل احتمالات الخطأ، وتكشف المخاطر مبكراً، وترفع القبول المؤسسي بالقرارات. فتعدد الآراء ليس عائقاً أمام كفاءة القرار، بل أحد ضمانات جودته. ومن أخطر مظاهر البيروقراطية الأكاديمية، أن يُطلب من مجلس أو لجنة متخصصة دراسة موضوع، بينما يكون الاتجاه النهائي قد تحدد مسبقاً؛ عندها يصبح النقاش شكلياً، والمجلس أقرب إلى جهة تصديق منه إلى جهة صناعة قرار، ومع تكرار ذلك تتراجع الثقة والحوار، وقد يصبح تجنب الاختلاف أكثر أماناً من إبداء الرأي العلمي المستقل. ولا تقل المجاملات والعلاقات الشخصية خطورة على استقلال القرار، خصوصاً عندما يتعلق الموضوع بأحد الأعضاء، أو يتردد البعض في إبداء رأي مخالف لرئيس المجلس أو اللجنة أو للقيادات. فالحوكمة الأكاديمية تقتضي أن تُبنى المواقف على الموضوعية والتخصص، وأن تُدار حالات تعارض المصالح بوضوح، حتى لا تؤثر العلاقات الشخصية، أو الاعتبارات الوظيفية في نزاهة القرار وجودته. والأخطر أن يتحول اختلاف الرأي الأكاديمي إلى خلاف شخصي، وأن يُنظر إلى صاحب الرأي المخالف باعتباره معارضاً بدلاً من شريك في صناعة القرار. فالاختلاف العلمي ينبغي أن يكون مصدر قوة لا سبباً للعزلة أو التهميش؛ فالجامعة التي تضيق بالرأي المختلف تفقد إحدى أهم أدوات تصحيح قراراتها وتطوير أدائها. إن الجامعات التي تطمح إلى التميز والبحث العلمي المؤثر تحتاج إلى بيئة تسمح بالسؤال والنقد والمراجعة؛ فالمعرفة لا تتقدم بالموافقة الدائمة، وإنما بالاختلاف المنضبط والحوار العلمي. والمطلوب ليس تقليص صلاحيات القيادات، بل بناء علاقة مؤسسية تكون فيها القيادة مسؤولة عن التوجيه الإستراتيجي والتمكين والمساءلة، بينما تمارس المجالس اختصاصاتها باستقلالية مهنية حقيقية. فالجامعة القوية ليست التي لا يختلف فيها أحد، وإنما التي يستطيع الجميع فيها أن يختلفوا بأمان، وأن يُسمع الرأي قبل اتخاذ القرار؛ وعندها تصبح الحرية الأكاديمية ممارسة مؤسسية تنعكس على جودة القرار، وقوة الجامعة، وقدرتها على إنتاج المعرفة والابتكار.
@wasel64

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *