قبل سنوات، كان”أبو العرّيف” شخصية نعرفها جميعاً؛ ذلك الذي لا يتردد في إبداء رأيه في كل شيء، من السياسة إلى الطب، ومن الاقتصاد إلى الفلك، بثقة تفوق كثيراً ما يملك من معرفة. كان حضوره ينتهي بانتهاء المجلس، ولا يتجاوز أثره دائرة ضيقة من الحاضرين، فيُقابل بابتسامة أو تعليق ساخر ثم ينتهي الحديث. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد تماماً. فمع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، خرج”أبو العرّيف” من حدود المجالس إلى فضاء مفتوح يضم ملايين المتابعين، وأصبح تأثيره يمتد إلى قرارات الناس في صحتهم وأموالهم ومستقبلهم.
ولم يقتصر هذا التحول على اتساع دائرة الانتشار، بل شمل أيضاً الأدوات التي يعتمد عليها. فلم يعد “أبو العرّيف” يكتفي بسرعة البديهة أو قوة الحضور، بل وجد في الذكاء الاصطناعي وسيلة تمنحه خلال ثوانٍ، مقالات محكمة، وتحليلات تبدو مقنعة، وإجابات مصاغة بلغة احترافية، حتى ليصعب على القارئ العادي التفريق بين ما كتبه متخصص، وما أنتجته أداة ذكية. وهنا تكمن المشكلة؛ فلم يعد الخطر في ادعاء المعرفة، بل في أن الوهم بات قادرًا على ارتداء ثوب الحقيقة، وأن يبدو أكثر إقناعًا من المعرفة نفسها.
ولعل تصفح وسائل التواصل الاجتماعي لبضع دقائق يكفي لإدراك حجم هذه الظاهرة. فستجد من يقدم وصفات طبية، وآخر يفسر الأنظمة، وثالثًا يحلل الاقتصاد، ورابعًا يقدم نصائح في التربية أو الاستثمار أو التقنية، وكل منهم يتحدث بثقة وكأنه المرجع الأول في مجاله. صحيح أن هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها وجدت في الذكاء الاصطناعي ما ضاعف حضورها، ومنحها مظهراً من الاحتراف يصعب على كثيرين التمييز بينه وبين الخبرة الحقيقية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نحمّل الذكاء الاصطناعي ما ليس فيه. فهو أداة أحدثت تحولاً كبيراً في التعلم والعمل والإنتاج، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي وسعت دائرة المعرفة وفتحت الباب أمام تبادل الخبرات. لذلك، فإن الخلل لا يكمن في التقنية نفسها، بل في طريقة استخدامها. فالتقنية، كأي أداة، يمكن أن تكون وسيلة للبناء حين تقع في يد المختص، وقد تتحول إلى وسيلة لنشر الوهم عندما يستخدمها من لا يملك المعرفة.
ومن هنا، أصبح من السهل أن يبدو أي شخص متخصصاً. فبضغطة زر يستطيع أن يكتب مقالاً، أو يعد تحليلاً، أو يجيب عن أسئلة معقدة بلغة واثقة ورصينة. لكن جودة الصياغة لا تعني صحة المعلومة، كما أن كثرة المتابعين ليست شهادة على الكفاءة. فهناك فرق كبير بين من يجيد ترتيب الكلمات، ومن يمتلك فهماً عميقاً لما يقول.
والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل أداة تساعد على جمع المعلومات وتنظيمها، لكنه لا يمنح مستخدمه الخبرة، ولا يختصر سنوات الدراسة أو الممارسة. فالطبيب لا يصبح طبيباً لأنه يستخدم تطبيقاً ذكياً، ولا المحامي يكتسب خبرته من روبوت محادثة، ولا الخبير الاقتصادي تُصنع خبرته بضغطة زر. فالمعرفة الحقيقية تُبنى بالتعلم والتجربة، وهي أمور لا تزال حكراً على الإنسان.
وأمام هذا الواقع، لم تعد المسؤولية تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين الناشر والمتلقي. فليس كل ما يبدو احترافياً صحيحاً، وليس كل ما ينتشر يستحق التصديق. لذلك، قبل أن نأخذ بمعلومة أو نعيد نشرها، علينا أن نسأل: من صاحبها؟ وما مؤهلاته؟ وهل يستند إلى مصادر موثوقة؟ فكم من معلومة غير دقيقة انتشرت بسرعة، لكنها تركت آثاراً استمرت طويلاً.
وفي المقابل، يتحمل صناع المحتوى مسؤولية أخلاقية لا تقل أهمية. فمن يستخدم الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يتعامل معه؛ بوصفه أداة تعزز عمله، لا بديلاً عن معرفته. كما أن الأمانة المهنية تقتضي ألا يقدم نفسه خبيراً في مجال لا يملكه، وألا يمنح الناس ثقة لا يستحقها، لأن الكلمة المنشورة اليوم قد تؤثر في قرار صحي، أو استثمار مالي، أو حتى في تشكيل وعي المجتمع.
وفي النهاية، لن ينتقص الذكاء الاصطناعي من قيمة المتخصص، بل سيجعلها أكثر وضوحاً. فكلما أصبحت أدوات إنتاج المحتوى في متناول الجميع، ازدادت قيمة من يمتلك العلم والخبرة والقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.
وربما لم يختفِ “أبو العرّيف” يوماً، لكنه عاد إلينا بثوب جديد؛ أكثر إقناعاً، وأوسع انتشاراً، وأشد تأثيراً.
وفي عصرٍ أصبحت فيه المعرفة تُنتج بضغطة زر، لم يعد السؤال: من كتب هذا المحتوى؟ بل: من يملك المعرفة التي تقف خلفه؟ فهناك يبدأ الفرق بين من يصنع وعياً، ومن يصنع وهماً… وهناك أيضاً تبدأ مسؤوليتنا في أن نمنح ثقتنا لأهل الاختصاص، لا لمن يجيدون الظهور.
هل أصبح أبو العريف أكثر ذكاءً؟
