البلاد (وكالات)
شهدت مدينة سبتة، الجيب الإسباني الواقع على الساحل الشمالي للمغرب، واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية خلال السنوات الأخيرة، بعدما عبر عشرات الآلاف من المهاجرين الحدود البرية والبحرية خلال فترة قصيرة.
وتفاوتت التقديرات الرسمية والإعلامية بشأن أعداد الوافدين، إذ تحدثت السلطات الإسبانية عن دخول نحو 49 إلى 50 ألف مهاجر خلال 24 ساعة، فيما قدَّر رئيس حكومة سبتة المحلية خوان خيسوس فيفاس العدد الإجمالي للوافدين بنحو 60 ألف شخص خلال موجة العبور الأخيرة.
وأدى التدفق الكبير إلى تجاوز الطاقة الاستيعابية لمراكز الاستقبال، فيما وصفت السلطات المحلية الوضع بأنه “حالة طوارئ إنسانية واجتماعية”، مع استمرار وصول المهاجرين عبر السباحة أو اجتياز بعض النقاط الحدودية. كما أسفرت محاولات العبور عن سقوط ما لا يقل عن 18 إلى 19 حالة وفاة غرقًا وفق معطيات السلطات الإسبانية وفرق الإنقاذ.
شائعات المهربين وحكم قضائي مثير للجدل
حمّلت الحكومة الإسبانية شبكات تهريب البشر مسؤولية جانب كبير من الأزمة، مؤكدةً أن المهربين استغلوا حكمًا حديثًا صادرًا عن المحكمة العليا الإسبانية يتعلق بعمليات إعادة المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة ومليلية عبر البحر، وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن “مافيات الاتجار بالبشر” روّجت لتفسير مضلل للحكم القضائي، ما شجع آلاف الأشخاص على محاولة العبور إلى سبتة خلال فترة زمنية قصيرة.
وبحسب السلطات الإسبانية، فإن القرار القضائي يمنع تطبيق الإعادة الفورية على المهاجرين الذين يصلون بحرًا، وهو ما استغلته شبكات التهريب لتشجيع مزيد من محاولات الهجرة غير النظامية، خصوصًا بين فئة الشباب.
وفي المقابل، كثفت السلطات المغربية انتشارها الأمني في المناطق الحدودية، لا سيما بمدينة الفنيدق، وأوقفت عشرات الأشخاص بعد مواجهات ومحاولات متكررة للوصول إلى الحدود.
تنسيق مغربي إسباني لاحتواء الأزمة
أمام تصاعد الضغوط، عززت إسبانيا وجود قوات الجيش والحرس المدني والشرطة في سبتة، كما أعلنت نشر وحدات عسكرية إضافية لدعم العمليات الأمنية وحماية الحدود، وفي الوقت نفسه، اتفقت مدريد والرباط على تعزيز التنسيق المشترك لمواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية، والعمل على إعادة الأشخاص الذين دخلوا المدينة بصورة غير قانونية.
وأكدت وزارة الداخلية الإسبانية أن التعاون مع المغرب في ملف الهجرة يتم بصورة “نموذجية”، مشيدةً بالجهود التي بذلتها قوات الأمن المغربية لإحباط آلاف محاولات العبور خلال الأيام الأخيرة، كما توجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى سبتة برفقة وزير الداخلية للاطلاع ميدانيًا على تطورات الوضع وتقييم الاحتياجات الأمنية والإنسانية للمدينة.
تداعيات أوروبية وخلافات حول الهجرة
تجاوزت الأزمة حدود العلاقات المغربية الإسبانية لتتحول إلى قضية أوروبية واسعة، حيث أثارت موجة الهجرة ردود فعل متباينة داخل الاتحاد الأوروبي، ودعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى وقف العبور غير النظامي فورًا وتفكيك شبكات التهريب، مؤكدة أن المشاهد الواردة من سبتة “غير مقبولة”.
كما طالب المستشار الألماني فريدريش ميرتس المغرب بإعادة المهاجرين غير النظاميين بسرعة، مشددًا على أهمية حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وفي إيطاليا، أثارت الأزمة سجالًا سياسيًا حادًا بعد تصريحات لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ومسؤولين إيطاليين دعوا إلى إجراءات استثنائية لمواجهة تداعيات الهجرة من بينها استبعاد إسبانيا من منطقة “شنغن”، ما دفع مدريد إلى الاحتجاج رسميًا واستدعاء السفير الإيطالي، معتبرة أن بعض التصريحات لا تنسجم مع مبدأ التضامن الأوروبي.
وفي المقابل، أعلنت فرنسا استعدادها لتقديم الدعم لإسبانيا، كما أبدى الاتحاد الأوروبي استعداده لتعزيز المساندة عبر وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية “فرونتكس”.
سبتة ومليلية.. عقدة تاريخية
تُعد سبتة ومليلية الجيبين الإسبانيين الوحيدين داخل شمال أفريقيا، وتمثلان الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الأفريقية، ما يجعلهما من أكثر المناطق حساسية في ملف الهجرة.
ورغم استمرار التعاون الأمني والدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا، لا تزال المدينتان تمثلان محورًا دائمًا للنقاش السياسي بسبب موقعهما الاستراتيجي ودورهما كنقطة عبور رئيسية للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا.
وتعيد الأزمة الحالية إلى الأذهان أحداث مايو 2021، عندما شهدت سبتة موجة عبور جماعية مشابهة تسببت آنذاك في توتر دبلوماسي بين الرباط ومدريد، قبل أن يتم احتواء الأزمة عبر التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن الهجرة غير النظامية ما تزال أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في العلاقات المغربية الإسبانية وفي سياسات الاتحاد الأوروبي، وسط تزايد الضغوط على الحدود الجنوبية لأوروبا وصعوبة الموازنة بين الاعتبارات الأمنية والإنسانية.
