مقالات الكتاب

إذا تغير التعليم.. فهل حان وقت تغيير القبول الجامعي؟

إذا تغيّر التعليم.. فهل حان وقت تغيير القبول الجامعي؟
حين تقرر الدول تطوير أنظمتها التعليمية، فإنها لا تستهدف تغيير المناهج أو تحديث اللوائح فحسب، بل تعيد صياغة فلسفة التعليم بأكملها. فلا يمكن لأي مشروع وطني لتطوير التعليم، أن يحقق أهدافه إذا توقفت عملية التطوير عند أسوار المدرسة. فالتعليم منظومة مترابطة، تبدأ من الصف الدراسي، وتمر بالمناهج والمعلم، وتنتهي عند بوابة الجامعة وسوق العمل. ولهذا، فإن صدور نظام التعليم العام الجديد في المملكة، لا يمثل مجرد تحديث تشريعي، بل إعلانًاً عن مرحلة جديدة في فلسفة التعليم، تستدعي أن تتناغم معها بقية مكونات المنظومة التعليمية.
لقد جاء النظام الجديد ليؤسس لإطار تشريعي متكامل ينظم التعليم العام، بعد أن ظل لسنوات يعتمد على لوائح وقرارات تنظيمية متفرقة. واليوم تنتقل المملكة إلى مرحلة أكثر نضجًا، تقوم على الحوكمة، ووضوح الأدوار والمسؤوليات، ورفع جودة التعليم، وتعزيز كفاءة البيئة التعليمية، بما يواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ولا تقتصر أهمية النظام على تنظيم العمل الإداري، بل تمتد إلى إعادة تعريف الغاية من التعليم نفسه. فالطالب لم يعد مجرد متلقٍ للمعرفة، بل أصبح محور العملية التعليمية، بما يملكه من مهارات وقدرات وإمكانات ينبغي تنميتها. كما يعزز النظام جودة التعليم، والاهتمام بالتعليم المبكر، ودعم الطلاب ذوي الإعاقة، وتوسيع الشراكات مع القطاعين الخاص وغير الربحي، بما يخلق بيئة تعليمية أكثر مرونة وابتكارًا.
والفرق بين المرحلة السابقة وهذه المرحلة ليس فرقاً في وجود التعليم، وإنما في طريقة التفكير فيه. ففي السابق، كان التركيز منصباً على إدارة العملية التعليمية وتنظيمها، أما اليوم فالاتجاه يتجه نحو بناء منظومة متكاملة تقيس جودة المخرجات، وتعزز المهارات، وترسخ مبادئ الحوكمة والاستدامة. وهذا التحول يعكس انتقالًا من إدارة المؤسسات التعليمية إلى الاستثمار الحقيقي في الإنسان.
لكن مع هذا التحول، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن النظام نفسه:
“إذا كنا نعيد بناء المدرسة السعودية… فلماذا لا نعيد بناء طريقة دخول الجامعة؟”
فعلى مدى سنوات، اعتمدت الجامعات على ثلاثة معايير رئيسية للمفاضلة بين المتقدمين: المعدل الدراسي، واختبار القدرات العامة، والاختبار التحصيلي. ولا شك أن هذه الأدوات أسهمت في تحقيق قدر من العدالة، وقدمت معيارًا وطنياً موحداً للمفاضلة، خاصة في ظل تفاوت مستويات التعليم بين المدارس.
غير أن النظام الجديد يستهدف بناء طالب يمتلك التفكير الناقد، والقدرة على التحليل، والإبداع، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، وهي مهارات يصعب قياسها من خلال اختبار معياري واحد مهما بلغت جودته. وهنا يبرز التساؤل: هل تعكس منظومة القبول الجامعي الحالية المهارات التي يسعى نظام التعليم العام الجديد إلى بنائها؟
هذا السؤال لا يعني المطالبة بإلغاء اختبارات القدرات أو التحصيلي، ولا التقليل من أهميتهما، وإنما يدعو إلى إعادة تقييم دورهما بصورة دورية، والتأكد من أن أدوات القبول تتطور بالتوازي مع تطور التعليم نفسه. فكلما تطورت جودة مخرجات التعليم العام، أصبح من المنطقي أن تتطور كذلك أدوات قياس تلك المخرجات.
وقد أثبتت العديد من التجارب العالمية أن أفضل أنظمة القبول هي التي تعتمد على منظومة متكاملة، تجمع بين الأداء الأكاديمي، والاختبارات المعيارية، والمهارات، والإنجازات، والمؤشرات التي تعكس استعداد الطالب الحقيقي للحياة الجامعية، بدلاً من اختزال مستقبله في أداء يوم أو يومين من الاختبارات.
إن نجاح نظام التعليم العام الجديد لن يقاس فقط بما يحققه داخل الفصول الدراسية، بل بقدرته على إحداث أثر يمتد إلى التعليم الجامعي وسوق العمل. فحين تتغير فلسفة التعليم، ينبغي أن تتغير معها أدوات قياس مخرجاته، حتى تصبح جميع مراحل التعليم امتداداً لرؤية واحدة، لا حلقات منفصلة تعمل كل منها بمعايير مختلفة.
لقد وضعت المملكة حجر الأساس لمنظومة تعليمية أكثر حداثة ومرونة، وهي خطوة تستحق التقدير. وربما تكون الخطوة التالية هي إعادة النظر حول معايير القبول الجامعي، ليس بهدف تغيير ما أثبت نجاحه، بل لضمان أن تظل جميع عناصر المنظومة التعليمية منسجمة مع التحول الكبير الذي تشهده المملكة.
فإذا كنا قد غيّرنا فلسفة التعليم، فمن الطبيعي أن نسأل: هل آن الأوان لأن تتطور فلسفة القبول الجامعي أيضًا؟ ذلك ليس تشكيكاً في الواقع، بل سؤال يفرضه منطق التطوير، لأن المنظومات الناجحة لا تكتفي بإصلاح جزء منها، بل تحرص على أن تتقدم جميع أجزائها بالوتيرة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *