يمنح نظام الشركات السعودي مجلس الإدارة صلاحيات واسعة لإدارة شركة المساهمة واتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق أغراضها، إلا أن هذه الصلاحيات لا تعني إطلاق الحرية في التصرف، بل تقابلها مسؤوليات قانونية قد تصل إلى إلزام أعضاء المجلس بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بالشركة أو المساهمين أو الغير.
شهدت السوق المالية السعودية مؤخراً مثالاً عملياً يوضح حجم المسؤولية التي يتحملها أعضاء مجالس الإدارة ولجان المراجعة، عندما أعلنت هيئة السوق المالية صدور قرار نهائي بتغريم عدد من أعضاء مجلس الإدارة ولجنة المراجعة في إحدى الشركات المدرجة بغرامات مالية كبيرة، بعد ثبوت وجود معلومات مالية غير صحيحة أدت إلى تضخيم الإيرادات وإعطاء انطباع مضلل عن المركز المالي للشركة على مدى عدة سنوات. وتبرز هذه القضية أن المسؤولية النظامية لا تقتصر على الإدارة التنفيذية وحدها، بل تمتد إلى أعضاء المجلس الذين يقع على عاتقهم واجب الرقابة والتأكد من سلامة القوائم المالية ودقة الإفصاحات، وأن العضوية في مجلس الإدارة ليست حصانة من المساءلة، بل التزام قانوني ومهني يفرض على العضو ممارسة دوره الرقابي بعناية واستقلالية لحماية الشركة ومساهميها.
ومن خلال الممارسة العملية، فإن أغلب النزاعات المتعلقة بمجالس الإدارة لا تنشأ بسبب سوء النية بقدر ما تنشأ بسبب ضعف الرقابة أو التهاون في متابعة الالتزامات النظامية أو التغاضي عن حالات تعارض المصالح. ولهذا حرص النظام على إلزام عضو المجلس بالإفصاح عن أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة له في الأعمال والعقود التي تبرمها الشركة، كما حمّله مسؤولية القرارات التي يشارك في اتخاذها متى ترتب عليها ضرر.
ولا تقتصر المسؤولية على العضو الذي باشر الخطأ بنفسه، فقد تمتد إلى بقية أعضاء المجلس إذا صدر القرار بإجماعهم أو لم يثبت اعتراضهم عليه في محاضر الاجتماعات. ومن هنا تظهر أهمية توثيق المداولات وإثبات الاعتراضات وممارسة الرقابة الفعلية على أعمال الإدارة التنفيذية.
كما منح النظام الشركة والمساهمين وسائل متعددة لمساءلة أعضاء المجلس، سواء من خلال دعاوى المسؤولية أو طلب التفتيش على الشركة عند وجود مؤشرات تدعو إلى الريبة في الإدارة.
وتؤكد هذه الأحكام أن عضوية مجلس الإدارة لم تعد مجرد مركز إداري أو تشريفي، بل أصبحت مسؤولية مهنية تتطلب الإلمام بالمتطلبات النظامية وممارسة دور رقابي فعال يوازن بين تحقيق مصالح الشركة وحماية حقوق المساهمين والمتعاملين معها.
سيد الشنقيطي
