حين نكتب عن قضية عامة لا نقصد التعميم، فالتفاوت في الأداء والسلوك سنة بشرية لا يخلو منها أي ميدان. ومع ذلك يبقى الأمل دائماً في الأفضل، خاصة في الجهات التي ترتبط بخدمة الناس وقضاء مصالحهم؛ حيث يصبح الصبر، وحسن التعامل، والقدرة على احتواء المراجعين من أهم مقومات النجاح المهني.
في مقالي السابق المنشور في صحيفة البلاد يوم الأربعاء 16/1/1448هـ بعنوان”هل يدفع المراجع ثمن مزاج الموظف؟” تناولت جانباً من معاناة بعض المراجعين مع الجفاء أو المماطلة، أو ضعف التعاون من بعض الموظفين، وهي ممارسات قد تزيد معاناة من جاء أصلاً يبحث عن خدمة أو حل لمشكلته.
وقد وصلتني بعد نشر المقال رسائل وتعليقات عديدة؛ فمنها من اقترح إجراء تقييم نفسي دوري للموظفين المرتبطين بخدمة الجمهور، ومنها من دعا إلى برامج تدريبية وورش عمل تعزز مهارات التواصل، وترفع كفاءة التعامل مع المستفيدين.
ومن بين تلك التعليقات استوقفني رأي كتبته أخصائية العلاج الطبيعي الأستاذة شهد الصخري، العاملة في مستشفى الملك عبدالعزيز التخصصي بالطائف، وهو مستشفى أراه نموذجاً مميزاً في الأداء الإداري والطبي. ولأن الإنصاف يقتضي أن نستمع إلى جميع الأطراف، رأيت أن أنقل خلاصة رأيها؛ إذ قالت: إن الموظف غالباً ما يكون أول من يتحمل اللوم عند حدوث أي تقصير، بينما يغفل كثيرون أنه إنسان يعيش ضغوطاً مهنية وأسرية ونفسية، ويُطلب منه في الوقت نفسه أن يستقبل المراجعين وذويهم، ويتعامل مع زملائه وإدارته، ويؤدي عمله بأعلى درجات الجودة والدقة.
وأكدت أن العمل أمانة، وأن حسن الخلق واجب، لكن الموظف يحتاج كذلك إلى الدعم المعنوي والتقدير والكلمة الطيبة، وأن شعوره بالاحترام من المراجع يعينه على العطاء، ويخفف من آثار الاحتراق الوظيفي، كما أن بعض المرافقين قد يكونون أشد ضغطاً من المراجع نفسه. وختمت حديثها بالتأكيد على أن إدارتهم تحرص باستمرار على ترسيخ ثقافة حسن التعامل وجودة الخدمة، وأن الجميع يبذلون ما يستطيعون لراحة المرضى والمراجعين.
وقد التقيت الأستاذة شهد للمرة الأولى أثناء إحدى جلسات العلاج الطبيعي، وقبل أن أعرفها بالاسم لفتني حسن استقبالها، ورقي تعاملها، وإتقانها لعملها، ثم وجدت في حديثها اتزاناً وإنصافاً يستحقان التقدير.
لقد ذكّرني تعليقها بحقيقة مهمة، وهي أن العلاقة بين الموظف والمراجع ليست طريقاً ذا اتجاه واحد، بل هي مسؤولية مشتركة؛ فكما أن من حق المراجع أن يحظى بخدمة راقية، فمن حق الموظف أيضاً أن يُعامل بالاحترام والتقدير. والكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والشكر الجميل ، لا تقل أثراً عن أي لائحة أو برنامج تدريبي، فهي تبني بيئة عمل أكثر إنسانية، وتنعكس في النهاية على جودة الخدمة التي ينشدها الجميع.
حفظ الله وطننا، وأدام فيه الموظف المخلص، والمراجع الواعي، والإدارة الحريصة، وجعل مؤسساتنا نماذج للعطاء والرحمة والإتقان. ودمتم بصحة وراحة بال.
(اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً، وزدنا بها عشقاً وفخراً).
وللموظف رأيٌ آخر
