* لا فرق بين ضاحية (حي النصر) بمدينة الفاشر السودانية (عاصمة ولاية شمال دارفور) التي تلعلع فيها أصوات الرصاص، وحي (لاباخادا) الواقع جنوبي مدينة روسايو الأرجنتينية في الاهتمام بمباريات مونديال (كأس العالم 2026)، وجدل الدوري الإنجليزي، وتقلبات بورصة الدوري الإسباني، وصراع برشلونة وريال مدريد؛ بغية الوصول لسدة الحكم الرياضي، فإن كان (أبناء لاباخادا) يظنون أنفسهم الأكثر اهتمامًا بسيرة ومسيرة ليونيل ميسي؛ بوصفه أحد أبناء الحي الذي ولد فيه الأسطورة الأرجنتيني، فإن (أبناء الفاشر) بل وأطفالها- رغم مرارة الحرب وقساوة النزوح- يعرفون عن رحلة ميسي مع المستديرة وحياته الخاصة وطفولته وصباه، ما لا يخطر علي بال أكثر الأرجنتينيين اهتمامًا بكرة القدم.
* إنه سحر المستديرة، الذي يجعل الجميع يتساوون في متابعة المتعة الكروية، مع اختلاف الظروف، ومرارة الواقع، فالأمر لا يقتصر على الذين ينعمون برغد العيش ويستظلون بحياة رفاهية، فمن يصارع الأوضاع البائسة بمناطق الحروب والنزوح تجده يبحث عن مكان آمن يشاهد فيه مباراة لكرة القدم تنتشله- ولو للحظات عابرة- من بئر الإحباط التي سقط فيها مجبرًا، عندما بدأت ملامح الحياة في التلاشي من أمام عينيه، وبات الموت يقترب منه كثيرًا، إلا أن إيمانه الراسخ بالقضاء والقدر يجعله متمسكًا بفسحة الأمل، والسماء في كثير من الأحيان تمطر من فوق رأسه رصاصًا لا يفرق بين هدف عسكري وحي سكني.
* وضعت معشوقة الملايين الجميع علي طاولة متابعة واحدة، كما أن الطفرة التقنية والإنترنت والعالم الكبسولة والسماء المحشو بالأقراص جعل حظوظ الجميع واحدة في المتابعة الحية، والشهقات الـ(live) دون الحاجة الي انتظار وقت طويل؛ كي تنقل لك وسائل الإعلام تفاصيل ما قبل المباريات، وأجواء التنافس الساخن وتصريحات المدربين ما بين الوعيد والتهديد قبل انطلاق مباراة مهمة بكأس العالم، أو قمة أوروبية، و(ديربي) من العيار الثقيل..!
* اعترتني حالة من الحزن لنجاح (الإسبان) في الظفر بلقب (مونديال 2026) الذي تمنيته للمرة الثانية على التوالي أرجنتينيًا خالصًا، ليس حُبًا في (فتية التانغو) ولكن تقديرًا للحبيب ميسي، الذي أسعدنا في السنوات الماضية أيما إسعاد نحن معشر (البرشلوناب)، ورغم تربعه على سدة العرش؛ بوصفه أكثر لاعب في تاريخ كرة القدم حصدًا للبطولات الجماعية والجوائز الفردية، فإننا كنا نطمح في لقب الوداع، متجاوزين حصوله على كأس العالم 2022، وكوبا أمريكا 2021، والدوري الإسباني عشر مرات مع برشلونة، والدوري الفرنسي مرتين مع باريس سان جيرمان، وكأس الدوري الأمريكي مع إنتر ميامي، نعرف كل ذلك وكنا نشجعه بحماس زائد وحب دافق للظفر بالمونديال، وهو صاحب الرقم التاريخي القياسي بحصوله على الكرة الذهبية ثماني مرات، وجائزة الأفضل من الفيفا ثلاث مرات، والحذاء الذهبي الأوروبي ست مرات، غير حصوله مرتين (2014، 2022) على لقب أفضل لاعب في كأس العالم، كنا ننتظر تتويج (أبو تياغو) مساء (الأحد) الماضي بالميدالية الذهبية بشغف البدايات، وهو الذي يصعب حصر جوائزه، ويكفي أنه بالأرقام توّج نفسه أفضل لاعب في تاريخ المستديرة عن جدارة واستحقاق وريادة، والرجاء عدم توجيه اللوم لنا؛ فمشاعر المحبين لا تريده أن يترك بطولة لقناعتنا أنه يستحق كل الألقاب و(البحر لا يرفض الزيادة).
* قدم لنا في مشواره الكروي كل فنون السحر، ومنحنا كل شيء على الإطلاق، فظننا أنه لن يستطيع إدهاشنا مرة أخرى، فشكرًا نبيلًا للحبيب ميسي، الذي أبهرنا هذه المرة بمشاعره الإنسانية المختلفة بتركه الكأس للإسبان، فقد كانت تنقصنا رؤية دموعه حتى ندرك أن الفرح والحزن صنوان.
نفس أخير
* بدموع الأسطورة، اكتملت الصورة.
haythamcapo77@gmail.com
