مع انتهاء العام الجامعي وإغلاق القاعات الدراسية، يعتقد كثيرون أن أعضاء هيئة التدريس قد دخلوا في إجازة طويلة، وأن أشهر الصيف تمثل فترة راحة كاملة بعد عام مزدحم بالمحاضرات والاختبارات والاجتماعات واللجان. لكن هذه الصورة، على شيوعها، لا تعكس سوى جزء من الحقيقة؛ فالإجازة الصيفية بالنسبة للأكاديمي ليست توقفًا عن العمل، بقدر ما هي انتقال إلى نوع آخر من العمل، عمل لا تحدده جداول المحاضرات، وإنما تفرض إيقاعه مواعيد النشر العلمي، ومقترحات المنح البحثية، والإشراف على طلبة الدراسات العليا، والتخطيط للمقررات القادمة، وتطوير البرامج الأكاديمية.
قد يغادر عضو هيئة التدريس مكتبه، لكن مكتبه لا يغادره. فالحاسوب المحمول يرافقه أينما ذهب، والبريد الإلكتروني يواصل استقبال الرسائل، ومنصات المجلات العلمية لا تعرف معنى الإجازة، والطالب الذي يقترب من مناقشة رسالته لا ينتظر حتى يبدأ الفصل الدراسي الجديد. لذلك يبدو المشهد مألوفًا؛ الجسد في إجازة، أما العقل فما يزال يراجع بحثًا أعاده المحكمون، ويخطط لمنحة بحثية، ويرد على استفسار طالب، ويؤجل اجتماعًا، ويفكر في مشروع لم يولد بعد.
وهنا تكمن خصوصية العمل الأكاديمي؛ فهو ليس وظيفة تنتهي بإغلاق باب المكتب، بل هو نمط حياة يمتد إلى تفاصيل اليوم كله. فالأفكار البحثية لا تلتزم بساعات الدوام، وقد تولد أثناء رحلة عائلية، أو خلال قراءة كتاب للمتعة، أو في لحظة هدوء قبل النوم. وكثيرًا ما يستيقظ الباحث ليدون فكرة عابرة خشية أن تتبخر مع الصباح، لأن العقل الأكاديمي اعتاد أن يرى في كل فكرة مشروعًا محتملًا، وفي كل سؤال بداية لبحث جديد.
ومع مرور السنوات، يصبح من الصعب الفصل بين الإنسان ومهنته. فالقراءة لم تعد مجرد هواية، بل مراجعة للأدبيات العلمية، والسفر لم يعد استراحة خالصة، بل فرصة لحضور مؤتمر أو زيارة مركز بحثي، وحتى اللقاءات الاجتماعية قد تتحول إلى نقاشات حول مشروع مشترك أو فكرة تعاون علمي. وهكذا تتداخل الحياة الشخصية مع الحياة المهنية، حتى تكاد الحدود بينهما تتلاشى.
ولهذا لم تعد الإجازة دائمًا مرادفة للراحة، بل أصبحت لدى كثير من الأكاديميين موسمًا لإنجاز كل ما لم تسمح به أعباء التدريس طوال العام. تُكتب الأبحاث المؤجلة، وتُنجز المشاريع البحثية، وتُراجع الكتب، وتُحدَّث المقررات، وتُخطط المبادرات الجديدة، حتى تتحول قائمة المهام إلى رفيق دائم للإجازة، ويغدو الاسترخاء نفسه فعلًا يحتاج إلى تبرير.
وربما لهذا السبب يشعر كثير من أعضاء هيئة التدريس بوخز خفي من تأنيب الضمير كلما حاولوا الابتعاد عن العمل. يجلس أحدهم مع أسرته، لكن فكرة بحث لم تكتمل تشغل ذهنه. يقضي إجازة قصيرة، لكنه يعود بين الحين والآخر ليتفقد بريده الإلكتروني. يقرأ كتابا أو قصة أو رواية، ثم يجد نفسه يقارنه بنظرية أو يسجل منه فكرة قد تخدم مشروعًا بحثيًا. وكأن العقل يرفض أن يخلع عباءة الأستاذ الجامعي، حتى عندما يكون خارج أسوار الجامعة.
غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: ما الذي يسرقه العمل الأكاديمي من الإنسان؟ قد يظن البعض أن أكثر ما يسرقه هو الوقت، لكن الحقيقة أنه يسرق شيئًا أعمق؛ يسرق القدرة على الاسترخاء والعيش بهدوء. فحتى في أوقات الراحة، يبقى العقل منشغلًا بما لم ينجز بعد، وكأن هناك دائمًا رسالة تنتظر الرد، أو بحثًا يحتاج إلى مراجعة، أو فكرة تستحق أن تُكتب.
وفي النهاية، ليست قيمة الإجازة في عدد الأيام التي نقضيها بعيدًا عن الجامعة، بل في قدرتها على إعادة التوازن بين الأستاذ والإنسان. فالجامعة تحتاج إلى باحث مبدع، لكن الإبداع لا ينمو في عقل لا يعرف السكون. وربما كان أعظم ما يمكن أن يحققه عضو هيئة التدريس في بعض أيام الصيف ليس نشر بحث جديد أو الفوز بمنحة إضافية، وإنما أن يستعيد قدرته على أن يعيش لحظة هادئة، دون أن يهمس له ذلك الصوت الداخلي : كان ينبغي أن تنجز شيئًا آخر.
حين يأخذ الجسد إجازة.. ويواصل العقل الدوام
