مقالات الكتاب

المنصب لا يصنع قائداً

هناك من يظن أن المنصب يصنع الهيبة، ويمنح الحكمة، ويكسب صاحبه احترام الناس تلقائيًا. والحقيقة أن المنصب لا يصنع شيئًا من ذلك، بل يكشف فقط ما كان مختبئًا في شخصية صاحبه. فالإنسان قبل المنصب هو نفسه بعده، لكن السلطة تزيل الأقنعة. من كان متواضعًا يزداد تواضعًا، ومن كان منصفًا يصبح أكثر عدلًا، ومن كان متعاليًا يجد في المنصب فرصة لإشباع غروره، ومن كان ضعيف الشخصية يبحث عن الهيبة في التخويف بدلًا من الاحترام.
إن أول اختبار حقيقي للمسؤول لا يكون عند تعيينه، بل في أول قرار يتخذه، وأول نقد يواجهه، وأول خلاف يحدث داخل مؤسسته. عندها تتضح الفروق بين قائد يبني فريقًا، وآخر يبني حول نفسه جدارًا من الخوف. القائد الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الأوامر التي يصدرها، بل بعدد القادة الذين يصنعهم. لا يخشى الموظف المتميّز، ولا ينزعج من صاحب الرأي، ولا يرى في النقد تهديدًا، بل يعتبره فرصة لتحسين الأداء. أما المسؤول الذي يخاف على كرسيه، فإنه يبدأ بإقصاء الكفاءات، وتقريب المصفقين، وتحويل المؤسسة إلى مساحة للصمت لا للعمل.
ولعل أخطر ما يصيب أي جهة ليس نقص الإمكانات، بل وجود مسؤول يخلط بين الاحترام والخوف. فيعتقد أن رفع الصوت قوة، وأن العقوبة إدارة، وأن إغلاق الباب هيبة، وأن مخالفة رأيه تمرد. ومع مرور الوقت، لا يخسر الموظفون فقط، بل تخسر المؤسسة كلها، لأن الأفكار تموت في بيئة لا تسمع إلا صوتًا واحدًا.
المؤسف أن بعض المسؤولين يطالبون موظفيهم بالمبادرة، ثم يعاقبون كل من يبادر. يشجعون الإبداع في الاجتماعات، لكنهم يرفضون كل فكرة لا تحمل توقيعهم. يتحدثون عن العمل بروح الفريق، بينما يحتكرون القرار، ويعتبرون النجاح إنجازًا شخصيًا، أما الإخفاق فيبحثون له عن متهم.
وهنا يتغير معنى القيادة. فالمنصب يصبح وسيلة للسيطرة لا للخدمة، والقرار يتحول إلى استعراض للسلطة لا إلى مسؤولية، ويصبح همّ المسؤول أن يحافظ على صورته، لا أن يطور مؤسسته.التاريخ الإداري يعلمنا أن المؤسسات لا تتذكر أسماء كل من جلس على كراسيها، لكنها لا تنسى من أنصف موظفيه، واستمع للناس، وفتح الباب للكفاءة قبل المعرفة، وللعمل قبل العلاقات.
فالقيادة ليست بطاقة تعريف، ولا مكتبًا فخمًا، ولا موكبًا من المجاملات. القيادة موقف أخلاقي قبل أن تكون صلاحية إدارية. وهي القدرة على اتخاذ القرار الصحيح حتى عندما يكون مكلفًا، والقدرة على الاعتذار عندما يكون الاعتذار واجبًا، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.
وفي النهاية، يبقى المنصب مجرد فرصة. فمن أحسن استغلالها، بقي أثره بعد رحيله، ومن أساء استخدامها، رحل المنصب وبقيت سيرته تسبقه في كل مكان. فالمنصب لا يصنع قائدًا… بل يكشفه. ويكشف معه معدن الإنسان، عندما تصبح السلطة بين يديه، ويغيب من يراقبه إلا ضميره. وكلنا في خدمة الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *