في عالم السياسة والإدارة.. يصل بعض القادة الجدد إلى مواقع المسؤولية، وهم مقتنعون بأن أول خطوة نحو إثبات حضورهم هي تغيير كل شيء؛ فتبدأ الإقالات الجماعية، وتُعاد هيكلة المؤسسات والمنظمات وتُستبدل القيادات والخبرات المتراكمة بأشخاص جدد. أحيانًا قبل إجراء أي دراسة أو تقييم أو تشخيص حقيقي للواقع. وما يبدو في ظاهره حسمًا وجرأة؛ قد يتحول في جوهره إلى بداية أزمة عميقة تهدد مستقبل المؤسسة أو المنظمة. التاريخ الإداري مليء بقصص قادة اعتقدوا أن النجاح يبدأ بإزالة آثار من سبقهم، لكنهم اكتشفوا متأخرين أن المؤسسات لا تُدار بالشعارات ولا بالرغبات الشخصية بل بالمعرفة والخبرة والذاكرة التنظيمية المتراكمة عبر السنوات. فالموظفون والقيادات الذين تم إعدادهم وتأهيلهم والاستثمار في تطويرهم لا يمثلون مجرد أسماء في قوائم الموارد البشرية؛ بل يمثلون رأس مال فكريًا ومعرفيًا يصعب تعويضه في وقت قصير. عندما تتم الإقالات دون معايير واضحة. ينتشر الخوف بدلًا من الثقة، ويحل الصمت محل المبادرة، ويتراجع الإبداع أمام هاجس البقاء الوظيفي، ويبدأ العاملون في التركيز على حماية مواقعهم بدلًا من التركيز على تحقيق الأهداف. أما الرسالة الأخطر فهي تلك التي تصل إلى الموظفين الأكفاء؛ أن الكفاءة لم تعد المعيار الحقيقي للنجاح، وفي مثل هذه البيئات تزدهر الشائعات. فكل قرار غامض يفتح الباب أمام التأويلات، وكل تعيين غير مفهوم يغذي الأحاديث عن المحاباة أو الفساد أو تصفية الحسابات. وحتى إن كانت هذه الاتهامات غير صحيحة؛ فإن غياب الشفافية يمنحها حياة طويلة وتأثيرًا كبيرًا. قد يحقق هذا النهج بعض المكاسب السريعة إذا كانت المؤسسة تعاني بالفعل من فساد أو فشل مزمن، لكن التغيير الناجح لا يقوم على الهدم الشامل. بل على التشخيص الدقيق والاختيار الموضوعي والإصلاح المدروس؛ فالقائد الناجح لا يغير الأشخاص لإثبات سلطته بل يغير الأساليب لتحسين النتائج، ومع مرور الوقت تبدأ تكلفة القرارات المتسرعة بالظهور. تتباطأ المشاريع، وتضعف الإنتاجية، وتزداد الأخطاء، وتتراجع الروح المعنوية، بينما تفقد المؤسسة جزءًا من خبراتها التي استغرق بناؤها سنوات طويلة. وعندما يتم استبدال أصحاب الخبرة بأشخاص أقل كفاءة، فإن المؤسسة لا تخسر الماضي فقط؛ بل تضعف قدرتها على صناعة المستقبل. إن القيادة ليست فن إزالة الآخرين؛ بل فن توظيف أفضل ما لديهم، والقائد الذي يبدأ عهده بهدم الجسور مع الخبرات والكفاءات قد يكتشف أن الطريق الذي ظنه مختصرًا نحو النجاح أصبح أطول طريق نحو الفشل؛ فالثقة قبل المال والتقنية والموارد، هي الأصل الإستراتيجي الأكبر لأي مؤسسة أو منظمة، وإذا فُقدت الثقة فإن استعادتها قد تكون أصعب بكثير من بناء مؤسسة جديدة من الصفر.
فنون إزالة الآخرين
