مقالات الكتاب

المونديال لا يبيع كرة قدم.. بل يبيع تجربة

في الاقتصاد، هناك قاعدة تقول: كلما اجتمع الطلب المرتفع مع العرض المحدود، ارتفعت القيمة؛ ولعل نهائي كأس العالم هو أوضح تجسيد لهذه القاعدة، فالتذكرة لم تعد مجرد تصريح لدخول ملعب، بل أصبحت منتجًا عالميًا نادرًا يتنافس عليه الملايين، حتى بات فتح نافذة إضافية لبيع التذاكر خبرًا تناقلته وسائل الإعلام حول العالم.
المثير أن قيمة تذكرة النهائي لا تُقاس بموقع المقعد، أو جودة الرؤية فحسب، وإنما بما تمثله من تجربة استثنائية يصعب تكرارها، فأنت لم تعد تشتري تسعين دقيقة من كرة القدم، بل تشتري حق الوجود في لحظة قد تُكتب في التاريخ؛ هدف أسطوري، تتويج منتخب، دموع قائد، أو لقطة ستبقى في ذاكرة اللعبة لعقود.
لقد أدرك الاتحاد الدولي لكرة القدم (وشركاؤه) أن نهائي المونديال لم يعد حدثًا رياضيًا فقط، بل أصبح أحد أغلى المنتجات الترفيهية في العالم، ينافس حفلات الموسيقى الكبرى، والفعاليات العالمية على إنفاق الجماهير؛ ولذلك لم تعد التذاكر تُباع وفق منطق المقاعد فقط، بل وفق مبادئ إدارة الندرة، والطلب العالمي، والقيمة العاطفية للمنتج.
وتزداد هذه المعادلة وضوحًا حين يُقام الحدث في الولايات المتحدة، البلد الأكثر خبرة في دمج الرياضة بالفن والترفيه؛ فيما يعرف بمفهوم Sports Entertainment؛ فالأمريكيون لا يقدمون المباراة، باعتبارها منافسة داخل الملعب فقط، بل يصنعون حولها عرضًا متكاملًا يبدأ قبل صافرة البداية، من الموسيقى والعروض البصرية والمشاهير، ويمتد إلى الإعلانات والضيافة والمناطق الجماهيرية والمحتوى الرقمي.
هذه القدرة على تحويل الحدث الرياضي إلى تجربة ترفيهية شاملة ترفع قيمة التذكرة نفسها؛ لأن المشجع لا يدفع مقابل المباراة وحدها، بل مقابل يوم كامل من التجربة والفرجة والانتماء وهنا تكمن قوة السوق الأمريكية في أن الرياضة ليست منتجًا منفصلًا عن الفن، بل منصة ضخمة تتقاطع فيها الموسيقى والإعلام والموضة والإعلان وصناعة النجوم.
ومن زاوية تسويقية؛ فإن الفيفا لا يبيع مباراة، بل يبيع حلمًا؛ حلم أن تكون شاهدًا على لحظة قد يرويها الناس بعد عشرين أو ثلاثين عامًا. لذلك لا تنظر جماهير كثيرة إلى ثمن التذكرة باعتباره تكلفة، بل استثمارًا في تجربة عمر لا تتكرر إلا نادرًا ، ولذلك فإن نهائي كأس العالم لم يعد يُدار بعقلية (المنظم الرياضي)، بل بعقلية (صانع المنتجات العالمية الفاخرة)، فالندرة أصبحت جزءًا من قيمته، والترفيه جزءًا من هويته، والتجربة هي المنتج الحقيقي وفي عالم الاقتصاد، لا يوجد ما يرفع القيمة أكثر من منتج لا يستطيع الجميع الحصول عليه، وربما لهذا السبب لم تعد أغلى سلعة في نهائي كأس العالم هي الكأس؛ بل المقعد الذي يتيح لك رؤيتها عن قرب.
@MohammedAAmri

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *