مقالات الكتاب

دندنة

اشتهر حسين سالم، وهو من أهل مدينة الشحر بحضرموت بخفة الظل، وقد سمع به الرئيس الأسبق علي صالح؛ فزاره في مقهى له في الشحر. وبعد الترحيب والكلام اللطيف سأله: لماذا يا حضارم تكرهون الشماليين؟ فقال له: أعطني الأمان وأعطيك الجواب. فقال الرئيس: لك الأمان فقل. قال: شوف ياريس نحن كنا نكره الإنجليز فلما رحلوا عن البلد أحببناهم، وكنا نكره السلاطين، فلما رحلوا عن البلد أحببناهم، وأنتم يا بو مشمل إذا بغيتونا نحبكم ارحلوا عنا.
وكان للمكرم حسين سالم- رحمه الله- صديق داعية من مدينة غيل باوزير. وهو الشيخ عوض بانجار. أشهد وقد سمعت محاضرة يتيمة له، أن كلامه يدخل إلى القلب. لكنه تورط مع صديقه حسين سالم حين نصحه أن يترك الغناء. وكان حسين سالم معه عود يدندن عليه في منزله في وقت فراغه. وقال الشيخ بانجار: اترك العود وتخلص منه. فقال حسين: واه أتخلص من العود؟ أنا أدق عليه وحدي وأتسلى به وحدي. لا أتكسب منه ولا أجمع الناس عليه. فأصر الشيخ بانجار عليه أن يترك الغناء ويحطم العود؛ بل وأن يأمر ربة البيت أن تلقي بخشب الآلة الموسيقية في التنور وتخبز الخبز به. ولما كان الشيخ عوض بانجار عزيزًا على حسين؛ فقد كسّر العود بفأس وأعطى الحطام لزوجته، وقال لها ألقي بهذا الخشب في التنور.
عجنت الزوجة الطيبة العجين، وأشعلت النار في التنور، وألقت خشب العود فيه وطبخت الخبز كعادة الناس في الشحر، وحضرت الطعام للأكل. واجتمعوا عليه وأكلوه. وبعد أيام قابل حسين صديقه الشيخ بانجار، فسأله إيش سويتوا في العود؟ قال عملنا بنصيحتك كسرناه وألقينا بأخشابه في التنور. فقال الشيخ: أحسنت يا حسين. فقال حسين: إيش الفائدة يا شيخ عوض، لما كان معي العود كنت أغني به وحدي، لكن بعد أن طبخنا به عشانا وتعشينا بالخبز المطبوخ بأعواد العود سرى الغرام بالغناء في عروق الكبار والصغار، وكلنا صرنا نهوى الغناء، وبعد ما كنت أغني لوحدي بتنا ندندن أنا والزوجة وكل من في البيت.
لقد أحببت المحاضرة اليتيمة للشيخ بانجار، لكني لا أتفق معه وله نيته في نصيحة صديقه حسين سالم بتكسير العود. فهناك من أباح الغناء، وإن كانوا قلة بين الجمهور، ومنهم العلامة ابن حزم الظاهري. ويروى أنه رحمه الله قال: أجِمّوا (أي أريحوا) هذه النفوس بشيء من الباطل، فإنه أعْوَن لها على الحق.
رحم الله السابقين واللاحقين. لكن السقف الذي أتمنى الوصول إليه هو ما جاء في الذكر الحكيم (خذوا ما آتيناكم بقوة) وقوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة). فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *